بعد تراجع كبير شهده مطلع القرن الحادي والعشرين، تسعى القوى التقدمية في الغرب اليوم إلى استعادة ثقتها بنفسها وتوحيد صفوفها لمواجهة المد اليميني المتطرف الذي اكتسح المشهد السياسي العالمي. بينما كانت قيادات تقدمية تتربع على سدة الحكم في العديد من الدول الأوروبية والولايات المتحدة، يشهد المشهد الحالي تراجعًا ملحوظًا لهذه الأطياف السياسية، باستثناء رؤساء مثل كيث ستارمر في بريطانيا وبيدرو سانشيز في إسبانيا، اللذين يجدان نفسيهما في خضم تحولات جيوسياسية عميقة تتطلب استراتيجيات جديدة.
تجد القوى التقدمية نفسها أمام تحديات كبيرة في ظل صعود اليمين الشعبوي والمتطرف، الذي استغل تداعيات الأزمات الاقتصادية وفشل الأحزاب التقدمية في معالجة قضايا الهجرة وتأخرها في مواكبة الثورة التكنولوجية. هذه الظروف أدت إلى فقدان ثقة الطبقات الشعبية في هذه الأحزاب، التي كانت تُعد ملاذًا لهم في السابق.
تراجع الأدوار والبحث عن استعادة الثقة بالنفس
من الأسباب الرئيسية لتراجع القوى التقدمية إهمالها لدورها كرقيب على النظام الرأسمالي، والتركيز على إعادة توزيع الثروة بدلاً من ضبط طرائق توليدها، مما أدى إلى بروز أضرار جانبية فادحة. مع تفاقم الأزمات الاقتصادية والفضائح المالية وانتقال فرص العمل خارج مراكزها الأصلية، بدأ الناخبون يرون في هذه الأحزاب مسؤولية عن نظام اقتصادي أضر بهم.
علاوة على ذلك، انصرفت هذه الأحزاب إلى الدفاع عن المجموعات المهمشة وحقوقها، متجاهلة بذلك احتياجات ومخاوف الطبقات الشعبية الأوسع، وأصبحت مرجعًا لفئة محدودة من أصحاب الشهادات العليا في المناطق الحضرية. كما أخفقت هذه الأحزاب في تقديم برامج فعالة لمواجهة تحديات الهجرة الكثيفة، واكتفت أحيانًا بنسخ سياسات القوى اليمينية، مما دفع شرائح واسعة من المجتمع إلى الرهان على وعود القوى الشعبوية واليمينية.
كما لعب التأخر في استيعاب أهمية الثورة التكنولوجية وتأثيرها على المشهد السياسي دورًا حاسمًا. فبينما استغل اليمين المتطرف هذه الأدوات ببراعة لتعبئة الجماهير بخطاب بسيط ومؤثر، ظلت القوى التقدمية مترددة في تبني هذه الآليات، مما أثر سلبًا على قدرتها على التواصل مع الناخبين.
صعود اليمين الشعبوي وتحديات جديدة
شهدت السنوات الماضية تصاعدًا واضحًا لليمين الشعبوي والمتطرف، خاصة بعد وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، مدعومًا بمشروع يميني عالمي يهدف إلى دعم الحلفاء في الخارج. هذا الصعود دفع القوى التقدمية إلى مراجعة حساباتها والبحث عن طرق لاستعادة زخمها.
بالرغم من هذا التحدي، بدأت تظهر مؤشرات جديدة تبعث الأمل في المعسكر التقدمي. فالهزائم التي تعرضت لها بعض القوى اليمينية المتطرفة، مثل هزيمة رئيس الوزراء المجري فيكتور أوربان، وتراجع شعبية رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، وفوز الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو في انتخابات البرتغال، وصمود القوى التقدمية الفرنسية في المدن الكبرى، كلها عوامل تعزز من قناعة هذه القوى بأن الوقت قد حان لاستعادة مكانتها.
قمة برشلونة التقدمية: محطة للتنسيق واستعادة الثقة
تجلت التباشير الأولى لاستعادة القوى التقدمية لثقتها بنفسها وعزمها على تنسيق الجهود في مؤتمر القمة الذي استضافته مدينة برشلونة بدعوة من رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز. أصبح سانشيز مرجعًا أوروبيًا للتيار التقدمي واليساري، خاصة بعد معارضته للحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران ورفضه استخدام القواعد الإسبانية لشن عمليات هجومية.
شارك في القمة قادة بارزون مثل رئيس البرازيل لويس إيغناسيو لولا، ورئيسة المكسيك كلاوديا شاينباوم، ورئيس كولومبيا غوستافو بترو، بالإضافة إلى قادة أوروبيين وأكاديميين. وتميزت القمة بمشاركة شخصيات أميركية بارزة من الحزب الديمقراطي، مما يعكس اهتمامًا عالميًا بتوحيد الصف التقدمي.
أكد الرئيس البرازيلي لولا أن القمة “ليست موجهة ضد الرئيس الأميركي دونالد ترامب” ولكنها تسعى لمواجهة “اليد العليا” التي توجه التيار اليميني والشعبوي المتطرف. دعت القمة إلى تجديد النظام الدولي متعدد الأطراف، وحماية المؤسسات الدولية، ومواجهة تحديات مثل تغير المناخ وتأثير التكنولوجيا السريع، والدفاع عن الديمقراطية.
تحديات اقتصادية ورؤى مستقبلية
إلى جانب الشعارات السياسية، احتلت الطروحات الاقتصادية حيزًا كبيرًا في القمة الموازية تحت عنوان “الحشد التقدمي العالمي”. ركزت هذه الجلسات على حماية المواطنين من السياسات الاقتصادية المفرطة في الليبرالية، ومنع اتساع الفجوة بين الطبقات الاجتماعية. تشير دراسة لمنظمة “أوكسفام” إلى أن فئة الأثرياء حصدت نصف الأرباح الناتجة عن ارتفاع أسعار المواد الأولية، مما يؤكد الحاجة الملحة لإصلاحات اقتصادية.
رغم التحديات الكبيرة، تظهر القوى التقدمية عزمًا على النهوض من كبوتها الطويلة. ستبقى المؤتمرات المستقبلية، مثل القمة التقدمية التالية التي ستستضيفها المكسيك، محطات أساسية لتنسيق الجهود وبناء استراتيجيات موحدة لمواجهة المد اليميني واستعادة ثقة الناخبين استعدادًا للانتخابات القادمة في أوروبا وأمريكا اللاتينية.































