إيران بين عودة النار واستمرار الحصار

بعد أكثر من شهرين على اندلاع الصراع في المنطقة، تحوّلت المواجهة الأميركية الإيرانية إلى “حرب خنق” متبادلة، محورها مضيق هرمز ومستقبل برنامج إيران النووي. ينصب التركيز الآن على ما إذا كان الحصار البحري الأميركي المتزايد يمكن أن يفتح مضيق هرمز ويكسر الممانعة الإيرانية بشأن الملف النووي دون الانزلاق إلى صراع أوسع. تشير التقديرات الحالية إلى أن هذا الحصار قد كلف إيران ما يقرب من 4.8 مليار دولار من عائدات النفط حتى الآن، مما أدى إلى احتجاز 31 ناقلة نفط محملة بحوالي 53 مليون برميل في الخليج.

هذا الضغط الاقتصادي المتزايد يطرح تساؤلات حول فعاليته في تحقيق أهداف سياسية بعيدة المدى، في حين تتدارس واشنطن خياراتها بين استمرار الضغط الاقتصادي أو تصعيد عسكري محتمل. إيران، من جانبها، تواجه تحديات كبيرة قد تؤدي إلى وقف إنتاج النفط إذا لم تجد منافذ للتصدير، مما يهدد بتأثيرات طويلة الأمد على حقولها المتقادمة.

الحصار البحري الأميركي: خنق الاقتصاد الإيراني

يوضح الدكتور سعيد قاسمي نجاد، مدير “مشروع ازدهار إيران” وكبير المستشارين الاقتصاديين لولي العهد الإيراني السابق، أن الحصار البحري الأميركي أثبت فعاليته في إلحاق الضرر بالاقتصاد الإيراني. ووفقًا لتقديراته، فقد أدى هذا الحصار إلى خنق أكثر من مليون برميل يوميًا من صادرات النفط الخام الإيرانية، مع توقعات بأن يدفع الضغط الصادرات نحو الصفر. لا يقتصر التأثير على قطاع النفط فقط، بل يمتد ليشمل قطاع البتروكيماويات والقطاعات غير النفطية التي كانت تمثل منفذًا اقتصاديًا لإيران في مواجهة العقوبات.

يمثل الحصار الحالي نقلة نوعية عن العقوبات التقليدية، حيث يغلق المضيق البحري نفسه بدلاً من الاعتماد على شبكات تهريب أو مشترين مستعدين للمخاطرة. وتشير التقارير إلى أن إيران بدأت في استخدام ناقلات قديمة كمخازن عائمة، فيما تسلك بعض السفن مسارات أطول وأكثر تكلفة إلى الصين لتفادي الاعتراض البحري. يحذر قاسمي نجاد من أن الأزمة تقترب من “نقطة تحول حرجة”، حيث قد تستنفد إيران طاقتها التخزينية المحلية بحلول منتصف يونيو/حزيران، مما يجبرها على خفض الإنتاج أو وقفه، وهو ما سيؤدي إلى “ضرر دائم” بحقولها النفطية القديمة.

جمود تفاوضي ومأزق نووي

على الرغم من الضغط البحري، قدمت إيران عرضًا جديدًا عبر وسطاء باكستانيين، أبدت فيه استعداداً لمناقشة شروط فتح مضيق هرمز بالتزامن مع ضمانات أميركية لإنهاء الهجمات وتفكيك الحصار على الموانئ، ثم الانتقال لاحقًا لمناقشة الملف النووي. ومع ذلك، تبقى الفجوة واسعة بين الطرفين. تصر واشنطن على وقف تخصيب الوقود النووي الإيراني وتسليم مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، بينما ترفض طهران التنازلات الكبيرة في الملف النووي، معتبرة إياه “بوليصة التأمين الأخيرة” لبقاء النظام.

يشير قاسمي نجاد إلى أن التاريخ يوضح أن النظام الإيراني سيُعطي الأولوية لبقائه على تقديم التنازلات، مستبعدًا حدوث اختراق دبلوماسي كبير دون تصعيد عسكري إضافي. من جانبها، تراهن واشنطن على أن “الوقت في صالحها”، لكن استمرار إغلاق مضيق هرمز يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية، مما يفرض ضغطًا سياسيًا داخليًا على الولايات المتحدة قبل الانتخابات.

المنطقة الرمادية لخطر التصعيد في مضيق هرمز

يقدم أليكس فاتنكا، كبير الباحثين بالشأن الإيراني في “معهد الشرق الأوسط”، رؤية مكملة، مشيرًا إلى أن المواجهة الحالية “غير مستقرة أكثر مما هي قابلة للاستمرار”. الحصار الأميركي يقع في “منطقة رمادية” يمكن أن تُشعل صراعًا جديدًا نتيجة لسوء التقدير أو الضغط الاقتصادي المتزايد، وليس بالضرورة عبر قرار متعمد بالحرب.

يواجه ترمب ضغوطًا متزايدة من معسكر يرى أن التفاوض مضيعة للوقت، ويدعو إلى استئناف القصف لإجبار طهران على تغيير موقفها. ومع ذلك، فإن هذا الخيار يحمل في طياته مخاطر كبيرة، حيث قد يؤدي إلى تصعيد واسع النطاق يشمل إغلاقًا أوسع لمضيق هرمز، وهجمات على ناقلات النفط، وتصعيد عبر وكلاء، أو محاولة هروب جماعي للناقلات العالقة. كما أن استهداف البنية التحتية للطاقة قد يوسع دائرة الأزمة إلى أسواق النفط والغاز العالمية.