صدرت حديثًا رواية “فورور” للأديب العراقي نزار عبد الستار، لتأخذ القراء في رحلة عبر الزمن والفن والشوق إلى الجمال المفقود. تتناول الرواية، التي نشرتها هاشيت أنطوان ودار نوفل، قصة “صابر عفيف” ورحلة بحثه عن معطف “الفرو” المفقود، الذي يرمز إلى ذكريات والدته وحنينه إلى الماضي. تسلط “فورور” الضوء على صراع القيم الإنسانية النبيلة مع وحشية الرأسمالية في عالم الفن.
تدور أحداث الرواية حول هذا المعطف الفرو الشتوي، الذي كان ملكًا للمونولوجيست العراقية وحيدة جميل، والتي أعارته بدورها للممثلة المصرية فاتنة فخر الدين لترتديه في فيلم “حكاية حب” عام 1959. يستعرض الكاتب نزار عبد الستار هذه التفصيلة الروائية ليخلق نسيجًا سرديًا غنيًا يربط شخصيات وأزمنة مختلفة، من بغداد الخمسينات إلى صالات المزادات العالمية المعاصرة.
رواية فورور: صراع الجمال والحنين ضد وحشية الرأسمالية
تبدأ القصة مع تعلق “صابر عفيف” بهذا المعطف، الذي يمثل له رائحة والدته وحنانها المفقود. بعد إعدام والده، فُصل “صابر” عن والدته “وحيدة”، لتنتقل حضانته إلى عمه، وتتلاشى أحلام “وحيدة” المهنية والشخصية، مما يترك أثرًا عميقًا في نفس “صابر” يلاحقه طوال حياته. يختفي المعطف الفرو، ليظهر لاحقًا في أوساط المشاهير والأثرياء، وصولاً إلى كتف فرح ديبا، إمبراطورة إيران، بعد لجوئها إلى القاهرة.
يكتشف “صابر” وجود المعطف ويتواصل مع سكرتير الشهبانو لاستعادته، وهو ما يكلفه وظيفته في دار مزادات “كريستيز” العالمية. تستغل الدار هذا الموقف لطرد “صابر” والاستحواذ على المعطف الثمين، لتكشف الرواية عن الجانب المظلم من عالم تجارة الفن الذي تتلاعب فيه المؤسسات الكبرى بالقيم والمبادئ لتحقيق مكاسب مادية بحتة.
الحنين إلى الجمال المفقود: رحلة بحث عن الهوية والدفء الإنساني
إن “الفورور” ليس مجرد معطف في الرواية، بل هو استعارة محورية يرمز إلى الحنين للجمال المفقود، والدفء الإنساني في مواجهة برودة العالم الرأسمالي. تستكشف رواية عبد الستار عوالم الفن المتعددة، من الغناء والعزف والتمثيل إلى الرسم، وتقدم شخصيات فنية شهيرة مثل فريد الأطرش وفيلمون وهبة، إلى جانب رسامين مثل حافظ الدروبي. تنتقل أحداث الرواية بين العراق ومصر ولبنان ولندن، مما يوسع من آفاقها الجغرافية والثقافية.
تتعمق الرواية في كيفية صناعة النجوم، وكواليس تجارة الفن ودور المزادات مثل كريستيز وسوذبيز. تعرض الرواية طرق هذه المؤسسات في التلاعب بالأسعار والاستحواذ على الأعمال الفنية بأساليب ملتوية، مما يكشف عن الجانب التجاري البحت الذي يطغى على القيمة الجمالية والإنسانية للفن. يصبح “صابر” ضحية لهذا النظام، حيث يتم التخلص منه بعد أن أدى دوره في تزويد “كريستيز” بلوحات مهمة، ليتم الاستيلاء على ممتلكاته الثمينة، بما في ذلك “الفورور” وكمان خالته “بدرية”.
يتغير “صابر” الشاب الذي حضر حفلات فريد الأطرش إلى “صابر” الرجل الذي ينازع من أجل هويته وسط قسوة الحياة. تقول حبيبته “سيلين” له: “سيلين تخبرني الكثير عن نفسي، وتعرف كيف تسترجع كل ما سلبته (كريستيز) مني”. هذا التحول يعكس صراع الشوق والعاطفة مع الواقع المرير والبحث عن الذات المفقودة وسط عوالم مادية لا تعرف الرحمة.
نزار عبد الستار: رواية متعددة الطبقات
تُعد رواية “فورور” عملًا متعدد الطبقات، يجمع بين الرومانسية المشرقية التي تمثلها قصة “وحيدة” وبحثها عن الشهرة، وبين وحشية المؤسسات الرأسمالية الغربية ممثلة بدار “كريستيز”. إنها رواية عن رجل لا يزال طفلًا في أعماقه، يبيع الفن في مزادات عالمية باردة تقيس القيم بالأرقام لا بالجمال. يصف الناشر الرواية بأنها تتخيل “ما لم يحدث، وما كان يُفترض به أنْ يحدث”، ويصوّر حبًا جارفًا في زمن لم يكن كامل الجمال ولكنه كان مبهرًا ويستحق أن يُسرد.
تُضاف “فورور” إلى رصيد الروائي نزار عبد الستار، وهي روايته الرابعة بعد “يوليانا” (2016)، و”ترتر” (2018)، و”مسيو داك” (2020)، مما يؤكد مكانته كصوت أدبي عراقي فريد. من المتوقع أن تثير الرواية نقاشات واسعة حول قيمة الفن في عالم اليوم، والتحديات التي تواجه الفنانين في ظل هيمنة القوى الاقتصادية، وكيف يمكن للحنين أن يكون قوة دافعة في مواجهة التوحش.
من المنتظر أن تستمر الرواية في جذب القراء والنقاد على حد سواء، وسط ترقب لما ستكشفه الأيام القادمة من آراء حول هذا العمل الأدبي المميز الذي يطرح تساؤلات عميقة عن التراث والهوية في عالم متغير.




























