فتنة القراءة… فتنة الكتابة

صدر حديثًا عن دار «صفصافة للنشر والتوزيع والدراسات» بالقاهرة في عام 2026، كتابًا جديدًا للروائي المصري البارز سعد القرش بعنوان «فتنة القراءة… أربعون كتابًا ورواية». يمثل هذا الإصدار مزيجًا فريدًا يجمع بين سحر القراءة وجاذبية الكتابة، حيث يستعرض القرش أعمالًا إبداعية وفكرية ونقدية وفلسفية أثرت فيه، سعيًا لمشاركة هذا الشغف مع القارئ. الكتاب يقع في 340 صفحة، ويضم أكثر من أربعين فصلاً تتفاوت في الطول، وهو ما يعكس عمق الحوار بين المؤلف والمصنفات التي يحتفي بها.

يفتتح الكتاب بمقدمتين فريدتين؛ إحداهما في مديح جمال الكتابة، والأخرى كتمهيد يتناول هيبتها، ويؤكد على أن صدقها كفيل بكبح جماح هوس البعض بلقب «روائي»، في مواجهة كثرة الكتابات غير المجدية. يبرز سعد القرش في كتابه السمات المميزة التي يتسم بها الكتاب والمؤلفون الذين اختارهم، مسلطًا الضوء على نبوغهم وفكرهم المتجدد. هذا العمل الأدبي يعد إضافة قيمة للمكتبة العربية، ونافذة تفتح آفاقًا جديدة للقراء لاستكشاف عوالم الفكر والإبداع.

فتنة القراءة: حوارات عميقة وتجديد للفكر

من أبرز الفصول التي تتناولها «فتنة القراءة» هو فصل «حداثة ابن حزم»، حيث يذهب القرش إلى استعراض رؤية ابن حزم الثاقبة وعبقريته التي تجاوزت الأزمان والثقافات. فبعد مرور ألف عام على كتابه الشهير «طوق الحمامة»، لا يقتصر القرش على استعراض الكتاب، بل يركز على «الحداثة» المبكرة لهذا الإمام الأندلسي الذي كان له السبق في استخدام بعض الكلمات والمفاهيم للمرة الأولى. وفي هذا السياق، ينبه القرش إلى الخلط الشائع بين إبليس والشيطان لدى كثير من المؤلفين والوعاظ، مؤكدًا على تمييز ابن حزم الدقيق بينهما، إذ يرى أن إبليس كان في الجنة مع الملائكة المقربين، بينما الشيطان هو الكيان الذي صاحب آدم منذ الوسوسة الأرضية الأولى.

ويقارن القرش في هذا الصدد بين رؤية ابن حزم وبين رؤى معاصرة، مثل تلك التي قدمها الباحث الأميركي ويتني س. بودمان في كتابه «شعرية إبليس.. اللاهوت السردي في القرآن»، والذي ترجمه رفعت السيد علي. يستعرض بودمان قصة إبليس في القرآن، ويؤكد على أن القرآن يميز بين إبليس والشيطان، وأن الأول كان شخصية معقدة لا يمثل الشر المطلق، بينما الثاني لم يكن مصدرًا لقصة معقدة مثل إبليس. يعلق القرش على ذلك بأنه لو كان بودمان قد قرأ «طوق الحمامة» لابن حزم، لربما أثرت رؤية ابن حزم العميقة على استنتاجاته.

محتوى «فتنة القراءة»: تنوع ثقافي وأدبي

في هذه الرحلة الأدبية، يسلط كتاب «فتنة القراءة» الضوء على مجموعة متنوعة من الأعمال الأدبية والفكرية التي تمتد عبر ثقافات وحقب زمنية مختلفة. يتناول الكتاب أعمالاً نقدية وتاريخية وفلسفية رائدة، ومختارات شعرية، وسيرًا ذاتية ملهمة، بالإضافة إلى روايات وقصص من نخب أدبية عربية وعالمية. من بين الأعمال المذكورة، نجد «تاريخ علم الأدب» للفلسطيني روحي الخالدي، ويبرز أيضًا «فكاكون يهود وأسرى مسلمون في أوروبا في العصور الوسطى» للمستعرب الهولندي الراحل شورد فان كونينجسفيلد، و«الهولوكوست الليبي المنسي» الذي يسلط الضوء على جانب مغيب من التاريخ.

تتضمن فصول الكتاب كذلك مراجعات لمختارات شعرية مثل «مختارات من الشعر الإيراني» لمريم حيدري، و«في مديح الشيخوخة» للخطيب الروماني شيشرون، وسيرة جراح القلب الشهير مجدي يعقوب. على صعيد الروايات العالمية، يتوقف القرش عند أعمال بارزة مثل «الشطرنج» لشتيفان تسفايج، و«عاصفة الأوراق» الرواية الأولى لإرث غارسيا ماركيز الأدبي، و«ثلاثية» النرويجي يون فوسه الحائز على جائزة نوبل. كما يحتفي الكتاب بجهود مؤلفين عرب وعالميين أمثال الفلسطينية عدنية شبلي، الجزائرية راضية تومي وإنعام بيوض، السوري الفارس الذهبي، العراقية إنعام كجه جي، الفرنسية آني إرنو، والقطرية هدى النعيمي. ومن الأدباء المصريين، يسلط الضوء على أعمال البير قصيري، أحمد الخميسي، اعتدال عثمان، سمير عبد الباقي، ميرال الطحاوي، محمد أبو قمر، بسمة عبد العزيز، وأحمد المرسي.

تألق سعد القرش وإنجازاته الأدبية

«فتنة القراءة» ليس مجرد كتاب جديد لسعد القرش، بل هو استكمال لمسيرته الأدبية الحافلة بالإنجازات. ففي عام 2025، فاز القرش بـ«جائزة التميز» من اتحاد كتاب مصر، مما يؤكد مكانته الرفيعة في المشهد الثقافي. له سبع روايات مميزة، أبرزها «حديث الجنود» (1996)، «باب السفينة»، «المايسترو»، «2067»، و«ثلاثية أوزير» التي تتألف من «أول النهار»، «ليل أوزير»، و«شم وحيد». نالت رواية «أول النهار» المركز الأول في جائزة الطيب صالح العالمية للإبداع الكتابي في دورتها الأولى عام 2011، بينما فازت رواية «ليل أوزير» بجائزة اتحاد الكتاب عام 2009. كما وصلت روايته «2067» إلى القائمة القصيرة لجائزة غسان كنفاني للرواية في عام 2024، مما يعكس تأثيره وتلقيه الإيجابي في الأوساط الأدبية.

تشمل أعمال القرش الأخرى كتبًا فكرية وأدبية هامة مثل «مصر التي…»، «الثورة الآن»، «في مديح الكتابة»، «فتنة الأطياف»، «شاعر الدنيا الحديثة… نجيب محفوظ من الموهبة إلى العبقرية»، و«سبع سماوات» الفائز بجائزة ابن بطوطة عام 2009. هذه الأعمال تؤكد على عمق تفكيره وتنوع اهتماماته، وتجعل من «فتنة القراءة» إضافة مهمة تضاف إلى مسيرته الحافلة. يُتوقع أن يستمر سعد القرش في إثراء المشهد الثقافي بأعماله التي تجمع بين التحليل النقدي والجاذبية السردية، مما يرسخ دوره كواحد من أبرز الكتاب المصريين المعاصرين.