كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

عادت باكستان بقوة إلى قلب الحسابات الأمريكية، خاصة مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط. لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة، فقد كانت الدولة النووية أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الشخصية، والحاجة الأمريكية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وواشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة.

تُعد هذه العودة الباكستانية إلى الساحة الإقليمية نتيجة لمسار أطول يتضمن إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأمريكية الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين، واستثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج. السؤال الأكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق؟

باكستان والسياسة الأمريكية: لغة ترامب الصفقة

في ولايته الأولى، لم يُخفِ الرئيس ترامب ضيقه من باكستان. اتهمها آنذاك بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع». كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمريكية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها لطبيعة ترامب نفسه.

وفقاً لتقارير صحفية، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترامب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذا، صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترامب.

عززت باكستان هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام. وبحلول الخريف، كان ترامب قد وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضل» لديه. هذا يعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أمريكي يعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية.

باكستان كوسيط إقليمي بين الولايات المتحدة وإيران

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أمريكية إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران بحكم الجوار البري الطويل والحاجة المتبادلة لضبط الحدود. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترامب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزناً، مما يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

الوساطة الباكستانية ليست «عملاً خيرياً»، بل هي محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني. فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد على حدودها، أو سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم، أو تدخلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

الدور السعودي كبوابة لعودة باكستان إلى الواجهة الأمريكية

لم تعد العلاقة الباكستانية الأمريكية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأمريكي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. اعتمدت باكستان على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات لتجاوز أزماتها الاقتصادية.

هذا البعد المالي لا ينفصل عن البعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن. اليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، وإرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

باكستان وبناء توازن القوة الإقليمي

لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، لكنها باتت مرشحة جادة لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، بينما إسرائيل هي القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأمريكي.

تضيف باكستان الآن عناصر لا تتوفر مجتمعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وقابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. بهذا المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال: وسيط أمني سياسي يسهّل التهدئة، أو شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، أو عنصر توازن يمنع استثناء القوى الإسلامية غير العربية الكبرى من أي تسوية إقليمية جديدة.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. ويرى خصوم القيادة الباكستانية الحالية أن انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترامب، بل ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة. نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

عادت باكستان إلى أمريكا لأنها فهمت كيف تُخاطب ترامب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة. ومع أن السنوات الماضية كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترامب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها. يجب متابعة الأوضاع الاقتصادية الداخلية في باكستان وقدرتها على استغلال هذه الفرص للحفاظ على مكانتها الدبلوماسية الجديدة.