مراكز الحوثي الصيفية: عبور مدرسي «إلزامي» إلى جبهات القتال

تثير المراكز الصيفية التي يديرها الحوثيون في اليمن مخاوف متزايدة حول تحويل التعليم إلى أداة للتعبئة العسكرية والأيديولوجية. شهدت هذه المراكز تحولاً نوعياً في 2026، حيث أصبحت إلزامية، مما يجبر الطلاب على المشاركة تحت التهديد، وتحوّلت بشكل صريح إلى بوابات عبور إجبارية لجبهات القتال، في انتهاك صارخ للمعايير التعليمية وحقوق الطفل.

تعود جذور هذه المراكز إلى أوائل التسعينيات، وتطورت لتصبح جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية الحوثيين لتجنيد الشباب وتلقينهم أفكارهم. فقدت أم عامر ابنها الوحيد البالغ من العمر 17 عامًا بعد أن التحق بأحد هذه المعسكرات الصيفية قبل عامين. عاد إليها جثة، وقيل لها أن تزغرد لأنه “نال الشهادة”، مما يعكس الواقع المرير الذي تواجهه العديد من الأسر اليمنية.

مراكز الحوثي الصيفية: من نشاط شبابي إلى جهاز تجنيد

لم تبدأ مراكز الحوثي الصيفية مع سيطرتهم على صنعاء عام 2014، بل هي امتداد لنشاط بدأته الجماعة في أوائل التسعينيات تحت مسمى “الشباب المؤمن”. كانت هذه الأنشطة في البداية تركز على نشر الفكر الزيدي في صعدة عبر دورات ومخيمات. ومع حروب صعدة في 2004، تحولت هذه المراكز إلى أدوات تعبئة واستقطاب، مستفيدة من تعاطف شعبي واسع. بحلول 2008، بدأت الجماعة في توزيع مواد رقمية و”ملازم” لمؤسسها حسين بدر الدين الحوثي خارج صعدة، مما ساعد على نشر أفكارها بشكل أوسع.

اكتسبت الأنشطة الحوثية زخماً أكبر مع أحداث 2011، حيث توسعت لتشمل محافظات أخرى، مستفيدة من اللحظة السياسية لتنظيم دورات ومراكز تحت شعار “تغيير النظام”. ومع سيطرة الحوثيين على صنعاء في 2014، تحولت هذه المراكز من أنشطة محدودة إلى برنامج مؤسسي واسع النطاق يُدار عبر مؤسسات الدولة، بالتعاون مع وزارات مختلفة مثل التربية والشباب.

وفقاً لمصادر أمنية، كانت الجماعة تعتمد في مراحل مبكرة على ما تسميه “الدورات الثقافية” و”الحوزات” لاستقطاب الشباب، قبل ظهور المراكز الصيفية بصيغتها الحالية. وأشار المصدر إلى أن هذه المراكز لم تعد مقتصرة على التلقين الفكري، بل باتت تستخدم كأداة للدفع بالشباب نحو جبهات القتال. تتنوع هذه المخيمات بين أنواع مغلقة، نموذجية، ومفتوحة، لكل منها أهدافه الخاصة.

تُقام المخيمات المغلقة في ثكنات عسكرية، وتهدف إلى إعداد المشاركين ليصبحوا مقاتلين، حيث يتم مصادرة هواتفهم ونقلهم سراً إلى معسكرات التدريب. يضم هذا النوع طلاب الثانوية العامة المتفوقين في دورات سابقة على تفكيك السلاح، ويتلقون تدريبات على استخدام الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والقنابل وعمليات التمويه.

أما المخيمات النموذجية، فتستهدف المتفوقين من الطلاب الذين تجاوزوا العاشرة، وتوفر لهم محاضرات أيديولوجية مكثفة من قياديين حوثيين وعروضاً لأفلام عن “الجهاد” وسير قادة الجماعة وحزب الله والحرس الثوري الإيراني. بينما المخيمات المفتوحة مخصصة للأطفال بين 5 و 10 سنوات، وتبدو ظاهرياً كمراكز تحفيظ قرآن، لكنها تركز على تعليم “قسم الولاية” و”الصرخة” وطاعة قائد الجماعة.

لا تستثنى الفتيات من هذه الأنشطة، حيث توجد مراكز مخصصة للنساء تديرها “الهيئة النسائية الثقافية العامة” بهدف استقطاب الطالبات وتلقينهن برامج دينية وتعبوية مكثفة تعزز الانضباط والانتماء للجماعة. يُظهر هذا التوسع الشامل مدى استراتيجية الحوثيين في السيطرة على العقول الشابة في اليمن.

تحويل التعليم إلى أيديولوجيا قتالية

يروج الحوثيون لهذه المراكز الصيفية في اليمن على أنها “حصن” ضد “المؤامرات” ووسيلة لغرس “الثقافة القرآنية” في نفوس النشء، لإعداد جيل مقاتل. يشددون على أن “المعركة” تتجاوز الجانب العسكري إلى “استهداف الوعي” و”الحرب الناعمة”. مصادر تربوية تشير إلى تقديم حوافز مادية ومعنوية لجذب الطلاب، مثل الوجبات والرحلات. وفقاً لملازم مؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي، فإن الهدف الأساسي هو تنمية معرفة الطلاب بالله وترسيخ العقيدة لدفعهم إلى القتال.

في موسم 2026، وزعت الجماعة مناهجها الخاصة بطباعة فاخرة وهوية بصرية واضحة، ما يكشف عن الموارد الضخمة المخصصة لهذه البرامج مقارنة بالتعليم النظامي المتردي. لا تحمل هذه الكتب أي إشارة إلى الجمهورية اليمنية أو وزارة التربية والتعليم، بل تصدر تحت شعار “المسيرة القرآنية – الإدارة العامة للدورات الصيفية”.

تتمتع هذه الدورات بهيكل إداري وزاري، حيث تشارك فيها وزارات التربية والشباب والرياضة، وهيئة التعبئة العامة، ووزارة الأوقاف والإرشاد. تتولى السلطات المحلية الإشراف الميداني، بينما تشارك وزارات مثل الداخلية والزراعة والصحة والاتصالات ببرامج قطاعية. يدير هذه المراكز “اللجنة العليا للدورات والأنشطة الصيفية” برئاسة رئيس وزراء حكومة الحوثي، وعضوية وزراء وممثلين عن الجانب التعبوي.

عام 2026 يمثل نقطة تحول، فقد تحولت المدارس الصيفية إلى برامج إجبارية. الطلاب وأولياء الأمور والمعلمون يتعرضون لضغوط وتهديدات، تصل إلى ربط نتائج الطلاب وقبولهم للعام الدراسي الجديد بالمشاركة في هذه الأنشطة. رسائل متداولة عبر واتساب تظهر تحذيرات مبطنة بحرمان الطلاب من التسجيل في العام الدراسي المقبل إذا لم يلتحقوا بـ معسكرات الحوثي الصيفية.

تتخوف الجماعة من عزوف الطلاب عن هذه المراكز بسبب معرفتهم المسبقة بنتائجها. ورغم الجهود المبذولة، يؤكد المعلمون تراجع الإقبال. نقابة المعلمين اليمنيين حذرت من خطورة هذه المراكز، مؤكدة أنها أدوات لتعبئة فكرية طائفية تستهدف الأطفال والشباب، وتخالف القيم الوطنية والدينية. السؤال الذي يطرحه المعلمون: لماذا تهمل الجماعة التعليم الرسمي وتترك المدارس في حالة ركود، بينما تزدهر المراكز الصيفية؟ هذا التناقض يكشف عن أن الهدف ليس التعليم، بل صناعة جيل مهيأ للتجنيد المبكر. الوضع الراهن ينذر بمستقبل تعليمي مظلم لجيل كامل، ما يتطلب تدخلاً دولياً عاجلاً لوقف هذه الممارسات.