في تطور مقلق، حذّر خبراء من أن تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي تتطور بوتيرة غير مسبوقة، قد تكشف عن طرق خطيرة لتطوير أسلحة بيولوجية وتوسيع دائرة الأشخاص القادرين على الوصول إلى هذه المعلومات الحساسة. فبينما يروج لهذه التقنيات كمحرك للابتكار العلمي والطبي، بدأت تظهر مؤشرات مقلقة إلى قدرتها على تقديم إرشادات قد تُستغل في تطوير أسلحة بيولوجية، ما يفتح الباب أمام تهديدات غير تقليدية.
هذه المخاوف برزت بعد تجربة صادمة لعالم الأحياء الدقيقة وخبير الأمن البيولوجي في جامعة ستانفورد، الدكتور ديفيد ريلمان، الذي اكتشف، أثناء تقييمه لبرنامج دردشة آلي، قدرة هذا البرنامج على شرح كيفية تعديل مسبب مرض خطير ليصبح مقاوماً للعلاجات ونشره بطرق تزيد عدد الضحايا، وفقاً لصحيفة «نيويورك تايمز».
الذكاء الاصطناعي يكشف عن طرق خطيرة لتطوير أسلحة بيولوجية
أثارت تجربة الدكتور ريلمان صدمة عميقة لديه، حيث وصف إجابات البرنامج بأنها “بمستوى من الخبث والمكر أثار في نفسي شعوراً بالرعب”. وعلى الرغم من أن الشركة المطوّرة أضافت بعض إجراءات السلامة، يرى ريلمان أنها غير كافية للحد من مخاطر الذكاء الاصطناعي هذه.
يعد ريلمان واحداً من مجموعة محدودة من الخبراء الذين تستعين بهم شركات الذكاء الاصطناعي لتقييم المخاطر المحتملة لمنتجاتها. وقد أظهرت محادثاتهم مع روبوتات الدردشة أن النماذج المتاحة للجمهور قادرة على تقديم معلومات تتجاوز حدود المعرفة العامة بكثير.
فقد شرحت هذه النماذج بشكل مفصل كيفية شراء مواد وراثية خام، وتحويلها إلى أسلحة بيولوجية، ونشرها في أماكن عامة، مع اقتراح وسائل للتهرب من الكشف. لطالما وضعت الحكومة الأميركية سيناريوهات لمواجهة تهديدات بيولوجية محتملة، وتشمل هذه التهديدات استخدام بكتيريا أو فيروسات أو سموم فتاكة.
منذ سبعينات القرن الماضي، شهد العالم عشرات الحوادث البيولوجية المحدودة، من أبرزها هجمات الرسائل الملوثة عام 2001، التي أودت بحياة خمسة أميركيين. ورغم أن الخبراء يرون أن احتمال وقوع كارثة بيولوجية كبرى لا يزال منخفضاً، فإن تداعياتها المحتملة قد تكون كارثية، إذ يمكن لسلاح بيولوجي فعّال أن يؤدي إلى وفاة ملايين الأشخاص.
الذكاء الاصطناعي يوسّع نطاق التهديدات البيولوجية
يشير عشرات الخبراء إلى أن الذكاء الاصطناعي يُعد من أبرز العوامل التي قد تزيد من هذه المخاطر، عبر توسيع دائرة الأفراد القادرين على الوصول إلى معلومات وأدوات كانت حكراً على المتخصصين. فقد أصبحت بروتوكولات علمية متقدمة متاحة على الإنترنت، كما باتت الشركات تبيع مكونات جينية صناعية (DNA وRNA) مباشرة للمستهلكين.
ويمكن للعلماء تقسيم أعمالهم الحساسة وإسنادها إلى مختبرات خاصة، في حين يمكن لروبوتات الدردشة المساعدة في إدارة هذه العمليات المعقدة. وشارك كيفن إسفلت، مهندس الوراثة في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أمثلة لمحادثات مع برامج الذكاء الاصطناعي. ففي إحدى الحالات، شرح أحد البرامج كيفية استخدام بالون طقس لنشر مواد بيولوجية فوق مدينة.
في مثال آخر، قام برنامج آخر بتصنيف مسببات الأمراض وفق قدرتها على الإضرار بقطاع الثروة الحيوانية. كما قدّم برنامج ثالث وصفة لسم جديد مستوحى من دواء للسرطان. وأشار إسفلت إلى أن بعض هذه المعلومات كان بالغ الخطورة لدرجة لا يمكن نشرها علناً.
وفي تجربة أخرى، طلب عالم أميركي – فضّل عدم الكشف عن هويته – من أحد أنظمة الذكاء الاصطناعي تقديم “بروتوكول خطوة بخطوة” لإعادة تصنيع فيروس تسبب في جائحة سابقة. وجاء الرد في شكل تعليمات مفصلة بلغ طولها نحو 8 آلاف كلمة، تتضمن كيفية الحصول على مكونات جينية وتجميعها. ورغم وجود بعض الأخطاء، فإن هذه المعلومات قد تكون مفيدة لشخص لديه نوايا ضارة.
تراجع الرقابة ومخاوف متزايدة حول أمن الأسلحة البيولوجية
في سياق متصل، أُثيرت مخاوف بشأن تراجع الرقابة على هذه التقنيات، خصوصاً في ظل سياسات تهدف إلى تعزيز ريادة الولايات المتحدة في مجال الذكاء الاصطناعي. وقد شهدت المؤسسات المعنية بالأمن البيولوجي مغادرة عدد من كبار الخبراء دون تعويضهم، إلى جانب انخفاض ملحوظ في ميزانيات الدفاع البيولوجي.
في المقابل، يرى مؤيدو الذكاء الاصطناعي أنه يحمل إمكانات هائلة لإحداث ثورة في الطب، من خلال تسريع الأبحاث وتحليل البيانات الضخمة لاكتشاف علاجات جديدة. كما يُشير بعض العلماء إلى أن المعلومات التي تقدمها هذه الأنظمة ليست جديدة بالكامل، وأن تطوير أسلحة بيولوجية فعالة لا يزال يتطلب خبرة علمية عميقة وسنوات من العمل المختبري.
ماذا بعد؟ الموازنة بين الابتكار والسلامة
من جانبها، أكدت شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل «أنثروبيك» و«أوبن إيه آي» و«غوغل»، أنها تعمل بشكل مستمر على تطوير أنظمتها وتحسين إجراءات الأمان، بهدف تحقيق توازن بين الفوائد المحتملة والمخاطر المصاحبة لهذه التقنيات. ويبقى التحدي الأكبر في كيفية تسخير قوة الذكاء الاصطناعي لتحقيق التقدم العلمي مع وضع حواجز أمان قوية لمنع استخدامه في تطوير أسلحة بيولوجية. ستكون الأشهر القادمة حاسمة في تحديد مدى فعالية هذه الإجراءات وفي رسم سياسات دولية تضمن سلامة الأسلحة البيولوجية وحماية البشرية من هذه التهديدات المتزايدة.



























