كشف العقيد العجمي العتيري، آمر كتيبة عسكرية ليبية كانت تتولى حراسة سيف الإسلام القذافي في الزنتان، عن تفاصيل جديدة ومثيرة حول فترة إقامته في المدينة وملابسات اغتياله. أثارت اعترافاته حول “ضعف تأمينه” و”وجود مخططات لاستهدافه” جدلاً واسعاً في الأوساط الليبية، ما يعيد تسليط الضوء على هذه القضية الشائكة.
تأتي هذه التصريحات، التي أدلى بها العتيري للمرة الأولى منذ اغتيال سيف الإسلام في 3 فبراير الماضي، لتفتح ملفاً طالما أحاطه الغموض، وتقدم رؤى جديدة حول الأيام الأخيرة لنجل الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، مما يثير تساؤلات حاسمة حول إقامة سيف القذافي بالزنتان.
كواليس إقامة سيف القذافي بالزنتان
أكد العتيري في حديث مطول عبر مقطع فيديو أن سيف الإسلام “كان يحظى بتأمين مشدد من الكتيبة” منذ عام 2011. لكنه أشار إلى أن الوضع تغير بشكل كبير بعد صدور “قانون العفو العام”، حيث “تولى حماية نفسه، بمساعدة متطوعين من أبناء الزنتان”. هذا التغيير في ترتيبات الحماية يبدو أنه لعب دورًا محوريًا في الأحداث اللاحقة.
وأضاف العتيري أن سيف الإسلام “كان يعيش في خطر، منذ بدأ يتنقل ويستقبل الزيارات”. وذكر أنه أبلغ السيدة صفية فركاش، والدة سيف الإسلام، وشقيقته عائشة بهذا الخطر الوشيك، مما يشير إلى علم مسبق بالتهديدات المحيطة به.
تزايد المخاطر وتصرفات سيف الإسلام
في خضم أجواء مشحونة بين الزنتان وقبيلة القذاذفة، وتزايد الاتهامات بـ”التفريط” في حماية سيف الإسلام، كشف العتيري أن سيف الإسلام “بدأ يضيق بقيود الحراسة” في سنواته الأخيرة وطالب بمغادرة الزنتان. وقد تم التنسيق مع عائلته وتسليمه إلى قبيلة القذاذفة، إلا أنه عاد لاحقاً إلى المدينة واختار الإقامة في موقع مختلف غير مؤمَّن بشكل كافٍ.
وألمح العتيري إلى أن سيف الإسلام يتحمل جزءاً من المسؤولية، مشيراً إلى أنه “تصرف بشكل خاطئ. اختار البقاء في مكان غير آمن، وبحراسة محدودة، وأخذ الموضوع بلا حذر ولا مبالاة وبدأ يستقبل الزيارات”. هذه التصريحات تضع سيف الإسلام نفسه كطرف في الأحداث التي أدت إلى اغتياله.
ظل سيف الإسلام مقيماً في الزنتان لمدة 10 أعوام، ولم يظهر علناً إلا عند ترشحه للانتخابات الرئاسية في عام 2021. وقد آثر التنقل خفية بين الزنتان وبعض مدن الجنوب الليبي خلال هذه الفترة.
جدل واتهامات متبادلة
أثارت شهادة العتيري جدلاً واسعاً، حيث رأى بعض مناوئيه أنه “برأ نفسه وولده أحمد الذي كان يرافق سيف الإسلام، ووزع الإدانات على الجميع بمن فيهم سيف نفسه”. من جانبه، علّق أحمد الزروق، أحد أبناء عمومة سيف الإسلام، على تصريحات العتيري، معتبراً أنه “أخلى مسؤوليته من حماية سيف، ودافع عن قبيلته وأبنائه، وحوّل اتجاه المطالبين بالحق نحو مدينة مصراتة”.
تزايدت الاتهامات لزيارة الزروق لسيف الإسلام في الزنتان والتقاط الصور ونشرها، حيث يعتقد الكثيرون أنها “كانت وراء التعرف على مكانه، مما ساعد قاتليه على الوصول إليه واغتياله”. الزروق نفى هذه المزاعم وأعرب عن استغرابه من أن العتيري “كان يعلم بعملية الاغتيال التي كانت تُدبَّر داخل الزنتان قبل حدوثها، لكنه فقط لم يكن يعرف توقيتها”.
التحقيقات القضائية وغياب التقدم
رغم إعلان النيابة العامة في 5 مارس عن تحديد هوية 3 متهمين في عملية الاغتيال دون الكشف عن أسمائهم، إلا أن القضية لم تشهد أي تقدم ملحوظ. فريق الدفاع عن سيف الإسلام، برئاسة خالد الزائدي، قدم رسمياً 14 طلباً قانونياً للنيابة العامة للكشف عن ملابسات الواقعة، لكنه قوبل بـ”الصمت” وعدم الرد.
العتيري، الذي كانت قبيلة القذاذفة تثني على دوره في حماية سيف الإسلام، أرجع دافع الاغتيال إلى “جهات لها مصلحة في إزاحته من المشهد السياسي”. ومع ذلك، تشير اتهامات غير مؤكدة إلى “تورط أناس من الزنتان”.
في 20 أبريل الماضي، سارع “أبناء مدينة الزنتان” إلى التبرؤ من دم سيف، مؤكدين أن أي فعل إجرامي “يمثل مرتكبيه وحدهم، ولا يمكن تحميله لمدينة أو قبيلة”. تُبرز هذه التصريحات التوتر القبلي والمناطقي الذي يحيط بالقضية.
النقاط الغامضة والتصريحات المتضاربة
يرى الناشط الليبي أنس الزيداني أن ما يتم تداوله بشأن مغادرة سيف الإسلام الزنتان ثم العودة إليها “غير دقيق”، مشيراً إلى أن الراحل “لم يغادر المدينة نهائياً، فقط غيّر مكان إقامته داخلها”. الزيداني دعا إلى “عدم التستر على المجرمين تحت أي غطاء قبلي”، مؤكداً أن “المسؤولية فردية، والجرم يُحاسب عليه صاحبه فقط”.
نفى مصدر بالنيابة العامة صحة الروايات غير الرسمية التي تروج حول معرفة هوية الجناة ومناطقهم، مؤكداً استمرار التحقيقات وداعياً إلى “عدم ترويج شائعات، أو تضليل الرأي العام والتشويش على مجريات القضية”.
ماذا بعد؟
لا تزال قضية اغتيال سيف الإسلام القذافي محاطة بالكثير من الغموض والتساؤلات. مع تضارب الروايات وتصاعد الاتهامات المتبادلة، يبقى الضغط على النيابة العامة للكشف عن هوية المتورطين والأطراف التي تقف وراء الجريمة. من المتوقع أن تستمر التحقيقات، وستظل الأوساط الليبية تتابع عن كثب أي تطورات جديدة قد تكشف حقيقة ما حدث، خاصة مع مرور أكثر من 90 يوماً على الحادثة دون تقدم ملموس.



























