تاريخ مضاد لمصائر البلاد في الرواية العراقية

تُشكل الرواية العراقية تاريخًا مضادًا لمصائر البلاد، حيث تتجسد فيها صراعات الذاكرة والنسيان. فقد تناول العديد من الروائيين العراقيين أحداثًا مفصلية، مثل مقتل الزعيم عبد الكريم قاسم، بأساليب سردية متنوعة، مما يفتح الباب أمام قراءات متعددة للأحداث التاريخية.

تُظهر هذه الروايات كيف يمكن للأدب أن يكون وعاءً للذاكرة الجماعية، وأن يقدم سرديات بديلة للسرديات الرسمية. وتبرز أعمال مثل “الرجع البعيد” لفؤاد التكرلي، و”المخاض” لغائب طعمة فرمان، و”الزعيم: خرائط وأسلحة” لعلي بدر، تباينًا في تناول شخصية “الزعيم” ومصيره، مما يعكس وجهات نظر مختلفة تجاه هذه المرحلة التاريخية الحاسمة في العراق.

تعدد وجهات النظر في الرواية العراقية

لطالما كان مشهد مقتل الزعيم عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة والتلفزيون محورًا سرديًا للعديد من الروايات العراقية. هذه الروايات تتراوح بين التعاطف مع الزعيم المقتول، كما في ما يمكن تسميته بـ”رواية الزعيم”، أو حتى السخرية من حكمه، كما في “الرجع البعيد” لفؤاد التكرلي، التي لا تتردد شخصياتها في استخدام أوصاف تحقيرية لوصفه.

تُعد رواية “الرجع البعيد” (1980) نموذجًا لهذا التناول السردي، حيث تُصر على استعادة كل التفاصيل المتعلقة بالسنتين الأخيرتين من العهد القاسمي. تترك الرواية لشخصياتها حرية التعبير عن آرائها ومواقفها، سواء بالرفض أو القبول، نحو موجهات السرد المتحكمة وتأثير حكم “الزعيم”.

من جهة أخرى، تناولت روايات أخرى مثل “المخاض” (1974) لغائب طعمة فرمان، شخصية “الزعيم” كحاكم للسرد ومحوره الأوحد. فبعد سنوات من التشرد، يعود كريم داود بطل الرواية إلى بغداد ليستعيد بيته وعائلته، لكنه لا يجد سوى “الزعيم” وحكاياته الوحيدة، مما يعكس هيمنة السردية الكبرى على مصائره الشخصية.

حتى في زمن “شيطنة الزعيم”، تحافظ الرواية العراقية على منطقها الأساسي باعتبارها سردية الذاكرة الكبرى. وهذا ما يتجلى في رواية “الزعيم: خرائط وأسلحة” (2024) لعلي بدر، التي تطمح لأن تكون جزءًا من ثلاثية روائية تعيد قراءة التاريخ العراقي من خلال استعادة عوالم العراق كلها، مع بقاء “الزعيم” وقصصه المحور الأساسي للرواية.

“نصوص فيصل” والنسيان كحل وجودي

تُمثل لحظة الملك فيصل الثاني، الذي اغتيل في 14 يوليو 1958، نقطة تحول سردية في الرواية العراقية الأحدث. تختلف “نصوص فيصل” اختلافًا جذريًا عن “رواية الزعيم”، حيث لا توجد صورة تراجيدية لزعيم مقتول ولا أرشيف يُستعاد، بل نجد استخدامات فريدة لمقولات النسيان.

تُعد رواية “1958: حياة محتملة لعارف البغدادي” (2018) لضياء الخالدي مثالًا بارزًا على هذا التوجه. تتخذ الرواية من الاحتمال سردية أساسية، ويؤدي النسيان دورًا مركزيًا في اقتراح رواية معقولة تتجاوز إشكالية الذاكرة ومؤسساتها الكبرى. فالرواية تُبقي الأصل التاريخي كما هو، وتحافظ على الشخصيات الأساسية من دون تصادم، وتقترح أن “النسيان” هو حل وجودي لإشكالية الذاكرة المستعصية.

وفي هذا السياق، يتجلى “التقشف” و”الاقتصاد” السردي في “نصوص فيصل”، كما في رواية “ساعة في جيب الملك” لميسلون هادي. فالرواية لا تقدم حكاية أساسية بشكل صريح، بل تعتمد على حوارات موسعة بين نساء بغداديات على صلة بعالم الملك فيصل، مما يعكس فكرة أن “النسيان” إجراء أساسي لمعالجة مشكلة وجودية.

ومع ذلك، تعود رواية “الزعيم: خرائط وأسلحة” لعلي بدر لـ”بناء” حكاية فيصل بصياغة شبه متكاملة، مسجلة بذلك تحكماً مطلقاً لمنطق الأرشيف والذاكرة. هذا يعيد منح “النسيان” وظيفة بنائية جديدة ضمن سردية “الزعيم”، مما يطرح تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الروايات تعيد كتابة تاريخ متخيل أم أنها مجرد “خدعة” جديدة لكتاب نصوص فيصل. يبقى المستقبل مفتوحًا لمعرفة كيف ستتطور هذه السرديات مع صدور الأجزاء اللاحقة من ثلاثية بدر.