في مؤتمر «IBM Think 2026» الذي اختتم فعالياته في بوسطن، كان التوافق واضحاً حول أن المرحلة التالية من الذكاء الاصطناعي المؤسسي لن تُحسم بامتلاك أكبر عدد من النماذج، بل بالقدرة على تشغيل الذكاء الاصطناعي بفعالية ضمن صلب العمليات التجارية. هذا التحول من التجارب إلى التشغيل يمثل تحدياً جوهرياً للشركات التي تسعى لتحقيق قيمة حقيقية من استثماراتها في الذكاء الاصطناعي.
قدم محمد علي، نائب الرئيس الأول ورئيس «IBM Consulting»، ومارك هيوز، الشريك الإداري العالمي لخدمات الأمن السيبراني في «IBM Consulting»، رؤى مفصلة حول كيفية انتقال الشركات من مرحلة الاختبارات الأولية إلى تحدي إعادة تصميم سير العمل وتنظيم البيانات وإدارة القوى العاملة الرقمية، مع بناء الحوكمة والأمن اللازمين لضمان بقاء الذكاء الاصطناعي تحت السيطرة وتأثيره الإيجابي على العمليات الفعلية.
الذكاء الاصطناعي المؤسسي: من التجارب إلى نموذج التشغيل
يشير محمد علي إلى أن التحدي الرئيس الذي يواجه العديد من المؤسسات لم يعد نقص الأدوات، بل عدم القدرة على تغيير طريقة تنظيم العمل الداخلية. وأكد أن المؤسسات بحاجة إلى إعادة هندسة عملياتها لتحقيق قيمة أفضل، مشيراً إلى أن المرحلة الأولى من الذكاء الاصطناعي كانت تركز على مهام بسيطة، بينما تتطلب المرحلة الحالية دمج هذه الوكلاء بطريقة آمنة ومحكومة لتحويلهم إلى قيمة أعمال حقيقية.
يوضح علي أن الكثير من جهود الذكاء الاصطناعي تفشل في تجاوز مرحلة التجارب بسبب الطموحات الواسعة جداً في البداية. وينصح بالبدء بحالات استخدام أضيق وذات قيمة واضحة، ثم ربطها ضمن سير عمل أوسع. كما لفت الانتباه إلى مشكلة عدم التفكير المنهجي في الحوكمة عند نقل الذكاء الاصطناعي للإنتاج، وظهور ما أسماه «الذكاء الاصطناعي الظلي» الذي يدمر القيمة بدلاً من خلقها.
نموذج تشغيل الذكاء الاصطناعي: محرك التحول
تتمحور رسالة «آي بي إم» لهذا العام حول «نموذج تشغيل الذكاء الاصطناعي»، الذي يدعو المؤسسات إلى التوقف عن التعامل مع الذكاء الاصطناعي كمجموعة تجارب منفصلة. وبدلاً من ذلك، يجب دمج الذكاء الاصطناعي في صميم كيفية عمل المؤسسة نفسها.
كشف محمد علي عن تجربة داخلية لـ«آي بي إم» حيث بدأت الشركة قبل 3 سنوات بنشر الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، من خلال تفكيك المؤسسة إلى 490 سير عمل، واختيار 70 منها، وبناء 220 عاملاً رقمياً. وكان الهدف إعادة تصميم مجالات مثل الموارد البشرية والمالية وسلسلة الإمداد. وقد أدت هذه الجهود إلى توفير ما يقرب من 4.5 مليار دولار بحلول عام 2025. ويؤكد علي أن هذا لا يحدث إلا عندما يصبح الذكاء الاصطناعي جزءاً لا يتجزأ من نموذج التشغيل.
“طيران الرياض”: مثال على الاندماج الفعال للذكاء الاصطناعي
أشار علي إلى «طيران الرياض» كنموذج رائد، واصفاً إياها بأنها «شركة طيران أولاً بالذكاء الاصطناعي». وتكمن أهمية هذا المثال في بناء الذكاء الاصطناعي داخل نموذج التشغيل منذ اليوم الأول، مستفيدة من كونها شركة جديدة لا تحمل عبء الأنظمة القديمة.
يوضح علي أن عمل «آي بي إم» مع «طيران الرياض» بدأ بالتركيز على العمليات المالية والداخلية لضمان كفاءة مؤسسية عالية، قبل التوجه نحو تجربة العميل. وتهدف الناقلة إلى استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي للإنتاج عبر رحلة العميل كلها، من شراء التذكرة إلى الوصول إلى الطائرة، وهو ما يقدم تجربة تجارة إلكترونية متكاملة لشركة طيران.
التغيير التنظيمي قبل التكنولوجيا
يُشدد علي على أن المسألة ليست في نشر الذكاء الاصطناعي، بل في تغيير طريقة عمل المؤسسة نفسها. ويصف أصعب نقاش مع العملاء بأنه يتعلق الآن بكيفية تغيير نموذج التشغيل وإدارة هذا التغيير. ونقل عن أحد العملاء قوله إن 30% من التحدي تقنية، و70% تتعلق بتحقيق التبني وتغيير سير العمل وكيفية إنجاز الناس لعملهم.
وفي هذا الصدد، يؤكد علي أن الذكاء الاصطناعي سيُغير سوق العمل بدلاً من إلغائه، وسيخلق وظائف جديدة. مشيراً إلى أن البشر يظلون في قلب هذه التحولات، وأن وجود راعٍ رفيع المستوى داخل المؤسسة ضروري لنجاح التغيير واسع النطاق.
الحوكمة والأمن: ضرورة الانتقال إلى التشغيل الفعال
بينما يركز محمد علي على أسباب صعوبة تحويل الذكاء الاصطناعي إلى تشغيل فعلي، يشرح مارك هيوز ما يحدث عند توسيع الشركات نطاق استخدامها له. فبعد الانتقال من استخدامات ضيقة إلى عدد كبير من الوكلاء، يصبح الذكاء الاصطناعي المؤسسي أكثر تعقيدًا وحساسية.
ويقول هيوز إن القضية لم تعد تتعلق بعمل الأداة فحسب، بل بمدى حوكمة نشرها. مؤكداً على ضرورة وجود ضوابط للحوكمة تشمل التشفير، الهوية، صلاحيات الوصول، البيانات، والمراقبة وقت التشغيل. محذراً من أن غياب هذه الضوابط يحمل خطراً كبيراً.
تحديات الوكلاء الرقميين وإدارة البيانات
مع تزايد أعداد الوكلاء الرقميين ضمن سير العمل، يرى هيوز أن إحدى المشكلات الرئيسة هي عدم وجود رؤية موحدة لما يفعله هؤلاء الوكلاء من مزودين ومنصات مختلفة. وهو ما يصعب على المديرين إدارة العمال البشريين والرقميين على حد سواء، وهي مهارة تفتقر إليها المؤسسات حالياً.
تعتبر البيانات حجر الزاوية في طرح محمد علي وهيوز. حيث يؤكد علي أن «البيانات أساسية جداً»، مشيراً إلى أن جودة النماذج وحدها لا تكفي، بل أن «خط أنابيب البيانات والسياق والعملية» هو ما يحقق النتيجة. ويشرح جهود «آي بي إم» في معالجة البيانات وبناء طبقات سياقية تسمح للوكلاء بالعمل بكفاءة حتى مع البيانات غير الكاملة.
من جانبه، يربط هيوز بين حوكمة البيانات وحوكمة الوكلاء، مؤكداً أن كلا الأمرين مهم في القطاعات المنظمة. ومن الضروري وجود ضوابط ما قبل الإنتاج وضوابط وقت التشغيل لمراقبة سلوك الوكلاء بعد دخولهم الخدمة.
الأمن والمساءلة في عصر الذكاء الاصطناعي
يوضح هيوز أن الأمن لم يعد طبقة تضاف بعد نشر الذكاء الاصطناعي، بل أصبح جزءاً لا يتجزأ من نموذج التشغيل نفسه. فبينما يوسع الذكاء الاصطناعي سطح الهجوم، فإنه يوفر أيضاً فرصاً لإدارة الأمن بسرعة أكبر وبشكل أكثر ذاتية.
كما يعود هيوز مراراً إلى مسألة المساءلة، مشدداً على أن مسؤولية قرارات الذكاء الاصطناعي يجب أن تبقى واضحة. وكما أن للتطبيقات مالكين محددين، فإن الوكلاء يجب أن يكون لهم مالكون واضحون كذلك، مع خطة تحدد الجهة المسؤولة عنهم. فالمسؤولية لا يمكن أن تختفي مع توسع الأتمتة.
الخطوة التالية للذكاء الاصطناعي المؤسسي
باختصار، لم تعد قيمة الذكاء الاصطناعي في المؤسسات تُقاس بعدد المبادرات المعلنة أو سرعة إطلاق التجارب، بل بقدرته على الدخول إلى العمليات الفعلية والعمل ضمنها بصورة منضبطة وتحقيق أثر ملموس وقابل للقياس. يبدو أن المرحلة التالية لتبني الذكاء الاصطناعي المؤسسي قد بدأت بالفعل، وستركز الشركات الرائدة على تكامله ضمن نموذج التشغيل، مع التركيز الشديد على الحوكمة والأمن والمساءلة.


























