في ظل تصاعد المخاوف الجيوسياسية واضطرابات سلاسل الإمداد، سارعت مصانع منطقة اليورو خلال أبريل الماضي إلى تعزيز مخزوناتها من المواد الخام. هذا التوجه التحوطي جاء استجابةً للمخاوف المتزايدة من نقص الإمدادات وارتفاع التكاليف المرتبطة بالصراع الدائر في الشرق الأوسط، حيث أثرت هذه التطورات بشكل مباشر على أداء القطاع الصناعي وثقة قطاع الأعمال.
وكشف مسح حديث نُشر يوم الاثنين عن أن العملاء في منطقة اليورو لجأوا إلى الشراء الفوري، متجنبين الانتظار تحسبًا لارتفاع الأسعار وتراجع توافر المواد الخام. وقد سجل مؤشر مديري المشتريات التصنيعي لمنطقة اليورو، الصادر عن “ستاندرد آند بورز غلوبال”، نموًا ملحوظًا في “الطلبات الجديدة” بأسرع وتيرة تشهدها المنطقة منذ أربع سنوات.
مصانع منطقة اليورو تعزز المخزونات وسط مخاوف الإمدادات
ارتفع المؤشر الإجمالي لمديري المشتريات التصنيعي إلى 52.2 نقطة في أبريل الماضي، مقارنة بـ 51.6 نقطة في مارس السابق له، وهو ما يتماشى مع التقديرات الأولية. وتُشير القراءات التي تتجاوز مستوى 50 نقطة إلى نمو في النشاط الاقتصادي، مما يعكس زخمًا إيجابيًا في الإنتاج، ولكنه يأتي مصحوبًا بمخاوف أعمق.
أوضح كريس ويليامسون، كبير اقتصاديين في مؤسسة “ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس”، أن “زيادة الإنتاج وتراكم الطلبات تعود بشكل رئيسي إلى بناء مخزونات احتياطية ضخمة، وذلك نتيجة للمخاوف واسعة النطاق من نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار الناجم عن التوترات في الشرق الأوسط”. ومع ذلك، أشار ويليامسون إلى أن مؤشر توقعات الإنتاج المستقبلي يُقدم صورة أكثر دقة للوضع الاقتصادي المتطور.
في المقابل، انخفض “مؤشر توقعات الإنتاج المستقبلي”، الذي يقيس مستوى التفاؤل بين المصنعين، إلى 55.4 نقطة من 58.2 نقطة، مسجلاً بذلك أدنى مستوى له خلال 17 شهرًا. هذا التراجع في التفاؤل يأتي في وقت تباطأ فيه النمو الاقتصادي في المنطقة بالفعل إلى 0.1 في المائة خلال الربع الأخير، مقارنة بتوقعات سابقة بلغت 0.2 في المائة.
ضغوط تضخمية وتسارع في أسعار المدخلات
شهدت تكاليف التصنيع ارتفاعًا حادًا، حيث قفز مؤشر أسعار المدخلات إلى 77 نقطة من 68.9 نقطة في الشهر السابق. ردًا على ذلك، رفعت المصانع أسعار منتجاتها بأسرع وتيرة منذ يناير 2023. هذه ضغوط تضخمية انعكست أيضًا في البيانات الرسمية التي أظهرت تسارعًا في التضخم بمنطقة اليورو خلال الشهر الماضي، مدعومًا بارتفاع أسعار الطاقة، مما يزيد من احتمالات تشديد السياسة النقدية.
أبقى البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة على الودائع عند اثنين في المائة، كما كان متوقعًا، لكنه أشار إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم. هذا الأمر عزز توقعات الأسواق برفع أسعار الفائدة عدة مرات هذا العام، مع ترجيح أن تكون الخطوة الأولى في يونيو المقبل.
للمرة الأولى منذ يونيو 2022، سجلت جميع دول منطقة اليورو الثماني المشمولة بالمسح قراءات فوق مستوى 50 نقطة. تصدرت آيرلندا المؤشر، تلتها هولندا، بينما سجلت فرنسا وإيطاليا أعلى مستويات نشاط لهما منذ حوالي 4 سنوات. في المقابل، تراجع أداء ألمانيا بشكل طفيف مقارنة بالشهر السابق.
على الرغم من النمو في النشاط، استمر تراجع التوظيف، مما أدى إلى تمديد موجة تسريح العمال إلى ما يقرب من ثلاث سنوات، على الرغم من ازدياد تراكم الأعمال. كما امتدت فترات تسليم الموردين إلى أبطأ مستوياتها منذ يوليو 2022، نتيجة للطلبات الكبيرة، واضطرابات الإمداد المرتبطة بالصراع في الشرق الأوسط، وتراجع توافر المواد الخام.
ألمانيا: تحول في المعنويات رغم استمرار النمو
تحولت معنويات المصنعين الألمان إلى “سلبية” في أبريل الماضي، للمرة الأولى منذ أكتوبر 2024، وهذا على الرغم من استمرار النمو الإجمالي. انخفض “مؤشر مديري المشتريات الصناعي” الألماني إلى 51.4 نقطة من 52.2 نقطة في مارس، وفقًا لـ”ستاندرد آند بورز غلوبال”، لكنه ظل فوق مستوى 50 نقطة.
قال فيل سميث، من “ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس”: “يبدو أن النمو الحالي في قطاع التصنيع مؤقت، نظرًا للعوامل التي تدفعه والانخفاض الحاد في توقعات الأعمال إلى المنطقة السلبية”. تباطأ نمو الإنتاج للشهر الرابع على التوالي، رغم بقائه إيجابيًا، بينما ارتفعت الطلبات الجديدة ومبيعات التصدير بوتيرة أبطأ.
تراجعت ثقة الشركات بشكل ملحوظ، حيث توقع حوالي 29 في المائة من الشركات انخفاض الإنتاج خلال العام المقبل، مقابل 25 في المائة فقط تتوقع ارتفاعه. ارتفعت ضغوط الأسعار بشكل واضح، حيث سجلت تكاليف المدخلات أسرع وتيرة زيادة منذ سبتمبر 2022، وبلغ تضخم أسعار المصانع أعلى مستوى له في 39 شهرًا. كما وصلت تأخيرات التوريد إلى أسوأ مستوياتها منذ يونيو 2022، حيث أبلغ حوالي 28 في المائة من الشركات عن فترات انتظار أطول.
واصل المصنعون الألمان خفض الوظائف، وإن بوتيرة أبطأ قليلًا من مارس، بينما استقر تراكم الأعمال بعد ارتفاع ملحوظ في الشهر السابق. يُشير التقرير إلى أن الانتعاش الاقتصادي لا يزال هشًا، في ظل استمرار تأثير الصراع في الشرق الأوسط، وارتفاع التضخم، واضطراب سلاسل التوريد، وعدم اليقين العام.
ظل الطلب والإنتاج قويين في السلع الوسيطة والاستثمارية، في حين استمرت السلع الاستهلاكية في تسجيل تراجع حاد.
فرنسا: انتعاش قوي في الإنتاج والطلبات
شهدت فرنسا انتعاشًا قويًا في الإنتاج الصناعي والطلبات الجديدة خلال أبريل الماضي، مع تسارع مشتريات العملاء تحسبًا لارتفاع الأسعار واضطرابات سلاسل الإمداد المرتبطة بالصراع في المنطقة. ارتفع “مؤشر مديري المشتريات التصنيعي النهائي” في فرنسا إلى 52.8 نقطة خلال أبريل الماضي، مقارنة بـ 50.0 نقطة في مارس الذي سبقه، مسجلًا بذلك أعلى مستوى له منذ مايو 2022 ومتجاوزًا مستوى 50 نقطة الفاصل بين النمو والانكماش.
سجلت الطلبات الجديدة أول نمو لها منذ مايو 2022، بينما توسع الإنتاج بأسرع وتيرة منذ فبراير 2022. كما ارتفع تضخم تكاليف المدخلات بأسرع وتيرة منذ يونيو 2022، فيما رفعت المصانع أسعارها بأسرع وتيرة خلال 38 شهرًا.
يقول جو هايز، كبير اقتصاديين في “ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس”: “شهدت دفاتر الطلبات وخطوط الإنتاج في قطاع التصنيع الفرنسي انتعاشًا ملحوظًا في أبريل الماضي، حيث سارع العملاء إلى تقديم مشترياتهم تحسبًا لارتفاع الأسعار واضطرابات الإمداد”. ويُضيف: “كما أن ارتفاع حجم الأعمال المتراكمة يزيد من احتمالية استمرار هذا الانتعاش طيلة الربع الحالي”.
في الختام، يُظهر الوضع الحالي أن مصانع منطقة اليورو تستعد لتحديات محتملة في سلسلة الإمداد والأسعار. وتبقى الأشهر القادمة حاسمة لمراقبة كيفية تطور التوترات الجيوسياسية وتأثيرها على استقرار الأسعار وقرارات البنك المركزي، بالإضافة إلى مدى استدامة هذا التعافي الهش على المدى الطويل.




























