تشهد سوريا تحولات أمنية وسياسية تضعها في سباق مع تنظيم “داعش” الذي يسعى لرفع “تكلفة الحكم” في سوريا. فبعد فترة من الهدوء النسبي ومحاولات فرض هيكلية أمنية وسياسية جديدة، برز التنظيم كعامل عدم استقرار، مستغلاً حالة عدم السيطرة الأمنية الكاملة في عدة مناطق. وتزايدت حدة عملياته الأمنية المركزة منذ منتصف فبراير الماضي، خاصة في منطقة الجزيرة السورية التي تمتد بين دير الزور والرقة والحسكة، والتي تعد الساحة الرئيسية لاختبار قدرات التنظيم في عام 2026. هذه التحركات تأتي في سياق انسحاب القوات الأميركية و”قسد” من بعض مناطق شرق الفرات، مما خلق واقعًا أمنيًا جديدًا يحاول التنظيم استغلاله لصالحه.
تُظهر التقارير المنشورة في مجلة “النبأ” التابعة للتنظيم تصعيداً في الهجمات التي تستهدف نقاطاً وحواجز أمنية حكومية، حيث نفّذ التنظيم نحو 22 هجوماً في مختلف مناطق سوريا خلال شهر مارس 2026 وحده، مستهدفاً مواقع عسكرية ومدنيين. ويعتمد التنظيم بشكل كامل على أسلوب حرب العصابات، مستفيداً من الطبيعة الجغرافية الوعرة والملاذات الآمنة نسبياً في المناطق الصحراوية، على الرغم من كثافة الغارات الأميركية المتواصلة على مواقعه. ويعتبر هجومه الأخير على عناصر الفرقة 86 التابعة لوزارة الدفاع في دير الزور مؤشراً على قدرته على الوصول إلى أهداف عسكرية نوعية في عمق مناطق السيطرة الحكومية.
تغيير أولويات داعش: من الترقب إلى الهجوم الفكري والسعي لرفع تكلفة الحكم
يمثل الخطاب الإعلامي الأخير لتنظيم “داعش”، والذي بثته مؤسسة “الفرقان” و”النبأ” في فبراير 2026، محاولة لإعادة تعريف نفسه كقوة “مقاومة شرعية وحيدة” في مواجهة النظام السياسي الجديد. وقد أعلن المتحدث باسم التنظيم عن بدء “مرحلة جديدة من العمليات” تستهدف بشكل مباشر بنية الحكم في دمشق، مما يشير إلى تحول التنظيم من حرب الدفاع عن الجيوب الصحراوية إلى حرب استنزاف في المدن والمراكز السيادية. ويركز التنظيم على التشكيك في كفاءة الحكومة السورية وقدرتها على فرض الأمن والاستقرار، مستغلاً التحولات السياسية الأخيرة، خاصةً مع تولي أحمد الشرع “أبو محمد الجولاني” مهام قيادية، والذي يعتبره التنظيم “خيانة عظمى” للمشروع الجهادي.
يعتمد “داعش” أيضاً على استغلال التناقضات الاجتماعية والمخاوف العشائرية في مناطق مثل دير الزور، ويحاول تقديم نفسه كبديل مقبول لا يساوم على القيم الإسلامية، مع التركيز على استقطاب “الجيل الجديد” من المراهقين والشباب الذين نشأوا في مخيمات النزوح أو في ظروف اقتصادية صعبة. يتم هذا التجنيد عبر منصات وتطبيقات مشفرة، واستغلال الخطاب الطائفي لتعزيز شعور المجتمعات “السنية” بالتهميش في ظل التوازنات الجديدة بدمشق.
في المقابل، يواجه التنظيم تحديات وجودية تتمثل في التنسيق العسكري غير المسبوق بين الحكومة السورية والتحالف الدولي، وانضمام دمشق لجهود مكافحة الإرهاب الدولية. كما أن التطور الهائل في تقنيات الرصد الحراري والطائرات المسيّرة من قبل القوات الحكومية والتحالف قد قلل من فعالية الجغرافيا الصحراوية كعامل دعم للتنظيم. ورغم ذلك، يظل التنظيم قادراً على البقاء بفضل مرونته الهيكلية وقدرته على التجنيد، فضلاً عن امتلاكه للموارد المالية اللازمة لاستمرارية عملياته.
كشفت الحملة الأمنية السورية المكثفة التي بدأت في فبراير الماضي عن إحباط العديد من الهجمات وتفكيك خلايا نائمة، مما أثر بشكل كبير على قدرة التنظيم على التنسيق. وأشار خبراء إلى انخفاض ملحوظ في الهجمات في مارس، مع انتقال بعض المجموعات الصغيرة إلى المناطق الريفية لإعادة التموضع. وهذا يشير إلى دخول التنظيم في مرحلة “الكمون”، وهو أسلوب يتبعه بعد الخسائر الكبيرة، حيث يسعى لإعادة بناء صفوفه والبحث عن ثغرات جديدة في المنظومة الأمنية. يؤكد الباحث زين العابدين العكيدي أن “داعش” يستغل سوء الأوضاع المعيشية وانتشار المخدرات كـ”هوامش يلعب عليها التنظيم” لتجنيد المتعاطفين، بالرغم من خبرة الحكومة السورية في تتبع خلايا “داعش”.
وفي الختام، يُنظر إلى الأشهر القادمة على أنها مرحلة مفصلية في تحديد طبيعة التهديد الأمني في شمال ووسط سوريا. فبينما تسعى الأجهزة الأمنية السورية للحفاظ على مكاسبها الميدانية، يواجه التنظيم اختباراً لقدرته على الصمود أو إعادة التكيف. على المدى الطويل، سيظل استمرار تراجع المستوى المعيشي وارتفاع أسعار السلع يشكل تحدياً، قد يستغله التنظيم لتجنيد أفراد جدد. يعتمد مستقبل “داعش” في سوريا على قدرة الحكومة على تحقيق الاستقرار الاقتصادي والأمني، والانضمام إلى التحالفات الإقليمية والدولية لمكافحة الإرهاب، مما قد يحد من قدرة التنظيم على جذب أو الاحتفاظ بالدعم الشعبي.
































