تتوسّع “سينما البلد”، وهي مبادرة سينمائية مستقلة نشأت في جدة التاريخية، لتصل إلى مناطق جديدة في المملكة العربية السعودية. أعلنت المبادرة عن افتتاح أول صالة عرض في منطقة الباحة، وتحديداً في “بلجرشي مول”، لتقديم تجربة سينمائية مختلفة عن الدور التجارية التقليدية في وقت تشهد فيه صناعة السينما بالسعودية نمواً ملحوظاً، مع التركيز على الأفلام المستقلة وإيصال الفن السابع إلى المجتمعات المحلية.
بدأت “سينما البلد” مشروعها في جدة كاستجابة لحاجة ملحة لتقديم عروض سينمائية غير تقليدية، بعيداً عن صالات العرض الكبيرة التي تهيمن عليها الأفلام التجارية. وقد صُممت هذه التجربة لدمج السينما مع هوية المكان، لتصبح جزءاً من النسيج الثقافي للمدن التي تزورها، مما يعكس رؤية مختلفة لتطوّر السينما السعودية.
“سينما البلد”: من جدة التاريخية إلى الباحة
انبثقت فكرة “سينما البلد” من قلب جدة التاريخية، حيث استُخدمت الأزقة والمواقع التراثية كخلفية لعروض الأفلام. لم تكن هذه مجرد عروض، بل كانت محاولة لإعادة تعريف تجربة المشاهدة وربطها بالذاكرة المحلية والهوية الثقافية. هذه المبادرة، التي أسسها المخرج عبدالله سحرتي، تهدف إلى سد الفجوة في مشهد السينما المحلي، الذي تهيمن عليه السينما التجارية، وإفساح المجال للسينما الفنية المستقلة.
في نسختها الثانية، نقلت “سينما البلد” عروضها إلى سطح “متحف طارق عبدالحكيم” في جدة، حيث ابتكرت تجربة “كادر سينمائي حي”. هناك، تداخلت العمارة الحجازية الأصيلة مع السماء المفتوحة، مما أتاح للجمهور التفاعل مع الفيلم بطريقة فريدة، تتجاوز مجرد المشاهدة السلبية نحو المعايشة والتفاعل مع العمل الفني.
توسّع “سينما البلد” في الباحة
يمثل التوسع نحو الباحة خطوة استراتيجية لـ”سينما البلد” في إطار سعيها للوصول إلى المدن التي تفتقر لدور عرض سينمائية. ومن المقرر أن تبدأ عروضها في “بلجرشي مول” كأول دار سينما في المنطقة. يأتي هذا القرار بدعم ملحوظ من الجهات الحكومية، مما يُسهّل نشر هذا النوع من الفعاليات الثقافية في مختلف أنحاء المملكة.
يعدّ هذا التوسّع دليلاً على رؤية المبادرة في تنويع الخريطة السينمائية، وعدم حصرها في المدن الكبرى، وإتاحة الفرصة للجمهور في المناطق الأخرى للتعرف على السينما المستقلة ونماذجها المتفردة، وتقديم محتوى ثقافي يناسب التطلعات المحلية.
النمو السينمائي في السعودية والحاجة إلى بدائل
تشهد صناعة السينما السعودية نمواً متسارعاً. ووفقاً لـ”تقرير شباك التذاكر السعودي 2025″، فقد بلغت الإيرادات الكلية حوالي 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات في 62 دار عرض منتشرة في 10 مناطق. ومع تسجيل الأفلام السعودية إيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من 11 فيلماً، وتصنيف (R18) يهيمن على السوق، تبرز الحاجة إلى خيارات سينمائية متنوعة.
تقدم “سينما البلد” نموذجاً موازياً يكمل السوق التجارية بدلاً من منافستها. فمن خلال قاعة صغيرة لا تتجاوز 35 مقعداً، تعتمد سينما البلد مفهوم “سينما بوتيك” الذي يركّز على جودة التجربة والتفاعل المجتمعي. هذه القاعات الصغيرة تتيح للجمهور فرصة النقاش والتحاور حول الأفلام، وتعمل كمنصة لورش العمل والفعاليات التي تستهدف صنّاع الأفلام السعوديين لتقديم أعمالهم بعيداً عن الشروط السوقية المعقدة.
“سينما البلد”: منصة لصناع الأفلام المحليين
إلى جانب العروض السينمائية، تعمل “سينما البلد” على تفعيل الجانب التعليمي من خلال ورش عمل وليالٍ مخصصة لصناع الأفلام السعوديين. هذه الأنشطة تهدف إلى توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي، ومنح الأمل والفرصة للمواهب المحلية الطموحة. فبدلاً من التركيز على الأرقام الكبيرة لشباك التذاكر، تسعى “سينما البلد” إلى بناء مجتمع سينمائي يدعم الإبداع والتعبير الفني.
مع ارتفاع عدد العروض اليومية في الباحة إلى ستة، مقارنة بعرضين في جدة، يظهر حجم الطلب المتوقع على هذا النوع من التجارب السينمائية. هذه الخطوة تؤكد أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها وعلى قدرتها على إثراء الحراك الثقافي في المناطق المختلفة.
ماذا بعد؟
عن التطلعات المستقبلية، تتطلع مبادرة “سينما البلد” إلى توسيع نطاقها ليشمل مدناً أخرى في المملكة، حاملةً رؤية سينمائية مُختلفة، تربط الفيلم بالمكان وتُعزّز دور الجمهور الفاعل في التجربة. في ظل النمو المستمر لقطاع السينما في المملكة، تبقى الأنظار متجهة نحو كيفية استمرار هذه المبادرات المستقلة في تشكيل المشهد الثقافة السينمائي، خاصةً مع تنوّع التجارب وصعود أشكال جديدة للعرض تُلبي أذواق جمهور أوسع يتطلّع إلى تجربة ثقافية فريدة وذات معنى.































