إعادة هيكلة القطاع الوظيفي في سوريا تدفع عائلات تحت خط الفقر

تعيش العديد من الأسر السورية تحت خط الفقر مع استمرار تداعيات إعادة هيكلة القطاع الوظيفي في سوريا التي بدأت منذ ما يقارب عامين. ورثت السلطات الجديدة تركة ثقيلة من «فائض الموظفين» من النظام السابق، وتسعى جاهدة لإيجاد حلول لهذه المعضلة المعقدة.

تشير التقديرات الرسمية إلى أن عدد العاملين في القطاع العام يتراوح حالياً بين 1.2 و1.4 مليون موظف، ما يضع الحكومة أمام تحدي التعامل مع شريحتين من الموظفين؛ شريحة «هشة فقيرة» تعتمد على الوظيفة الحكومية كمصدر رزق وحيد، وشريحة أخرى فرضتها رؤوس الفساد عبر سنوات لأسباب متعددة، منها السياسية والطائفية والأمنية، فضلاً عن الكسب المادي.

تحديات إعادة هيكلة القطاع الوظيفي في سوريا

في إطار محاولات الحكومة الحالية لإصلاح القطاع الوظيفي، صدر القرار رقم «2533» في أغسطس (آب) 2025، والذي يقضي بعدم تجديد العقود السنوية للموظفين «المؤقتين» إلا في حالة الحاجة الماسة وبموافقة رئاسة الجمهورية حصراً. كان هذا القرار بمثابة صدمة لعشرات الآلاف من العاملين الذين وجدوا أنفسهم بلا عمل وبلا دخل مطلع عام 2026.

يتنوع هؤلاء العاملون بين أشخاص عاديين دفعوا رشاوى للحصول على وظائف، وآخرين موالين للنظام السابق تم توظيفهم لخدمته، بالإضافة إلى آلاف من ذوي الذين قضوا في القتال ضمن مكافآت الخدمة.

تأثيرات اجتماعية واقتصادية لقرارات الهيكلة

أدى تطبيق القرار «2533» إلى حالة من الاستياء الشعبي، تفاقمت مع الارتفاع المستمر في أسعار السلع والخدمات الأساسية كالكهرباء والإنترنت والمواصلات. وأفادت تقارير أممية أن أكثر من 90 في المائة من سكان سوريا يعيشون تحت خط الفقر، ما يجعل فقدان الوظيفة بمثابة “حكم بالإعدام” على الأسر، كما وصفت إحدى الموظفات المتأثرات.

في محاولة لامتصاص الغضب، عمدت الحكومة مؤخراً إلى تمديد عقود العمل لبعض الموظفين المؤقتين لمدة ثلاثة أشهر، كخطوة إسعافية تهدف إلى التخفيف من حدة الأزمة، لكنها لم تبدد القلق من مستقبل غامض يواجه هؤلاء. تحدثنا موظفة متضررة من هذا القرار التي تتساءل عن مصيرها بعد انتهاء فترة التمديد وهل سيتم تثبيتهم أم منح تعويضات.

تباينات الرواتب وتحديات العدالة الاجتماعية

لا تتوقف المعاناة عند الموظفين المتعاقدين فحسب، بل تمتد لتشمل الموظفين “المثبتين” الذين يعانون من فروقات كبيرة في الرواتب. يتقاضى موظف حكومي في دمشق، يعمل لأكثر من 20 عاماً، حوالي 170 دولاراً شهرياً، بينما يتقاضى زملاء جدد من مناطق الشمال السوري ما يصل إلى 500 دولار، ورؤساء الأقسام 1000 دولار، والمديرون الجدد القادمون من تركيا أكثر من 3000 دولار.

هذا التباين يثير شعوراً عميقاً بعدم العدالة ويهدد الاستقرار الاجتماعي. ويعزو مصدر حكومي هذا التفاوت إلى اختلاف قوانين العمل بين “حكومة الإنقاذ” في الشمال السوري، “الإدارة الذاتية” الكردية، وقوانين النظام السابق، مؤكداً أن هذا الأمر سيتم معالجته تدريجياً مع صدور “قانون الخدمة المدنية الجديد”.

الحلول المقترحة ومستقبل القطاع الوظيفي في سوريا

يقترح المستشار الاقتصادي زياد عربش لـ”الشرق الأوسط” حلولاً عملية لمعالجة مشكلة الفارق في الرواتب والفائض الوظيفي. تتضمن هذه الحلول توحيد جداول الرواتب بناءً على الخبرة والموقع، مع زيادة تدريجية للموظفين المثبتين، ممولة بإيرادات الاستثمارات في قطاعات الطاقة والفوسفات والسياحة.

كما يشير عربش إلى أهمية حوافز الأداء، والتعويضات الانتقالية للمناطق الأكثر فقراً، وبرامج التدريب المشتركة، فضلاً عن اعتماد “حقيبة الراتب الشفاف” لمراقبة الفوارق. ويهدف هذا النهج إلى تحويل الفائض الوظيفي إلى قوة بشرية فعالة تدعم النمو الاقتصادي.

إلى أن تتحقق هذه الحلول، يبقى مصير آلاف الأسر السورية على المحك، حيث يواصل العديد من المعيلين والمعيلات فقدان مصدر دخلهم الوحيد، ما يزيد من هوامش الفقر الممتدة. وتتطلب معالجة هذه التحديات استراتيجية انتقالية شفافة تركز على التدريب وإعادة التأهيل لتحقيق النمو المستدام والعدالة الاجتماعية.