نعى الوسط الثقافي العراقي ببالغ الحزن والأسى الشاعر صادق الصايغ، الذي وافته المنية مساء الجمعة في العاصمة البريطانية، لندن. يعد صادق الصايغ أحد أبرز مبدعي العراق الذين جمعوا بين الشعر والفن التشكيلي والخط العربي والصحافة والسينما والمسرح، وقد ترك بصمة واضحة في كل هذه المجالات. وبوفاته، تفقد الثقافة العراقية قامة فنية وأدبية فريدة، خاصةً بالنظر إلى تجربته الشعرية التي بدأت في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وإصداره لديوانه الأول “نشيد الكركدن” عام 1978.
تعتبر مسيرة الشاعر صادق الصايغ حافلة بالإنجازات الفنية والثقافية، فبالإضافة إلى مجموعاته الشعرية مثل “وطن للروح” و”حيث هو القلب” و”أنا التراب”، كان له دور ريادي في تطوير الخط العربي. اضطر الصايغ لمغادرة العراق مرتين، الأولى عام 1961 لدراسة الفنون في تشيكوسلوفاكيا، ثم عاد إلى بغداد عام 1967. وفي عام 1979، هاجر مرة أخرى نتيجة لحملة القمع البعثي، شأنه شأن مئات المثقفين العراقيين، متنقلاً بين بيروت وبراغ قبل أن يستقر في لندن.
الشاعر صادق الصايغ: رحلة الإبداع والنفي
في بيروت، شارك الصايغ في تأسيس “رابطة الكتّاب والصحافيين والفنانين العراقيين”، وأصبح سكرتير تحرير مجلة “البديل”. هذه الفترة من حياته كانت مليئة بالتحديات والاضطرابات، انعكست على تجربته الإبداعية. يتذكر العديد من أصدقائه وزملائه كيف كانت بيروت شاهدة على جوانب مهمة من حياته، حيث عاش تجربة النفي بكل تفاصيلها، محاولاً أن يجد لنفسه مساحة للإبداع في ظل الظروف الصعبة.
يصف أحد أصدقائه كيف كان الصايغ يتأمل الحياة في بيروت، بين الحرب المستعرة وذكريات بغداد التي لم تفارقه. كان الصايغ يرى العراق في كل مكان، حتى في أجمل المناظر الطبيعية لمدينة براغ، يؤكد أن وطنه يسكنه رغم كل مرارة النفي. لقد كانت قصائده تجسيداً لوطن مجرد، وطن للروح، يُهرب منه ويهرب منه، وطن مستحيل أكثر منه ممكن.
كان صادق الصايغ نموذجاً للمثقف المتعدد المواهب، فهو لم يكن مجرد شاعر، بل كان رساماً مبدعاً وخطاطاً بارعاً، ونجم تلفزيوني، وكاتب أطفال، وناقداً سينمائياً. هذه المواهب المتعددة جعلته “ضائعاً بين مواهبه المتعددة” كما يصفه أحد أصدقائه، لكنه في كل منها ترك قطرة من روحه وإبداعه. إسهاماته في تطوير الخط العربي وتصميم الحروف الطباعية كانت رائدة، لكنها لم تلقَ الاهتمام الكافي بسبب ظروف النفي والتشتت.
عانى الصايغ، شأنه شأن الكثير من المثقفين العراقيين، من مرارة المنفى، فقد كُتب عليه أن يتنقل من غربة إلى غربة. لقد كانت حياته مثالاً للصراع بين الإبداع والنفي، بين البحث عن الحرية ومواجهة قسوة الواقع. كانت بغداد، مدينة شبابه وأحلامه، حاضرة بقوة في وجدانه، حتى بعد سنوات من الغربة، فلم يفتأ يردد “أحب حتى مزابلها”.
الصايغ: أيقونة ثقافية ومدرسة “طريق الشعب”
يمثل العام 1978 نقطة تحول في تاريخ الثقافة العراقية، حيث شهد حملة قمع وحشية ضد اليسار العراقي، مما دفع بالكثير من المثقفين، ومنهم صادق الصايغ، إلى المنفى القسري. كان الصايغ، بموسوعيته الثقافية، جزءاً أساسياً من وجه جديد للثقافة العراقية، تجلى في مطبوعات الحزب الشيوعي آنذاك مثل “طريق الشعب” و”الفكر الجديد”. فقد شكلت هذه المطبوعات، بصفحاتها الثقافية، بؤرة لثقافة مختلفة عن الثقافة الرسمية السائدة.
تعاون الصايغ مع شعراء وكتاب آخرين مثل سعدي يوسف ويوسف الصائغ وفوزي كريم، وشكلوا تيارًا ثقافيًا متفردًا. ومع ذلك، حطمت قبضة النظام هذه الجهود، مما أدى إلى حجب أسمائهم الثقافية ونفيهم. بعد عام 2003، وحين عاد الكثيرون من المنفى، وجدوا أنفسهم بحاجة إلى إعادة تعريف لأجيال جديدة لم تعرفهم.
لم يجد صادق الصايغ، مع تقدمه في العمر، تلك الفتوة التي تتيح له تصدر المشهد الثقافي بعد عودته، حيث تغيرت الأوضاع وظهرت ثقافة حكومية رسمية جديدة. وحتى في وظيفته كمستشار ثقافي، لم يكن لديه سوى غرفة فارغة في وزارة الثقافة، مما اضطره للعودة إلى المنفى مرة أخرى. لم ينل الصايغ حقه التقاعدي المشروع، مما يؤكد مرارة تجربته في وطن لم يحتضنه كما تستحق قامة ثقافية مثله.
لقد ترك صادق الصايغ أثراً مميزاً في كل مجال عمل فيه، ولا تزال خطوطه وتصميماته بارزة في العديد من المنشورات. ورغم تميزه كشاعر لم ينصفه النقاد، فقد كان زاهداً بطبع مؤلفاته، معتقداً أن مهمته هي كتابة الأفكار وإيصالها للقارئ. بوفاة الصايغ، تفقد الثقافة العراقية نكهة فريدة، وهي نكهة الإبداع المتشعب والضياع بين مواهب عدة. يظل صادق الصايغ علامة فارقة لجيل تتلمذ على يديه في مدرسة “طريق الشعب” في سبعينيات العراق.



























