في عمل أدبي جديد يلامس عمق التجربة الإنسانية، صدرت مؤخرًا رواية “ليالي سان دوني” للروائية اللبنانية لنا عبد الرحمن عن دار “العين” بالقاهرة. تُسلط الرواية الضوء على قضايا الهجرة واللجوء من منظور فريد، متتبعة حكايات الغرباء والنازحين الفارين، الذين يتخذون من قصر “لو شاتو” في ضاحية سان دوني الباريسية ملجأً لهم. تتشابك قصص الشخصيات في هذا الفضاء الهامشي، لتقدم تأملاً عميقًا في سؤال “الوطن” و”الهوية” في عالم مضطرب.
لا تركز الرواية على الصخب الباريسي، بل تتعمق في ظلاله الخفية، حيث يتحول قصر “لو شاتو” إلى نقطة التقاء لأرواح مختلفة. هنا، تختلط الأوراق بالفنون والطبقات، في سرد يعكس هشاشة الحدود ومعنى الانتماء في زمن الهجرة. يُصبح «البيت» في الرواية أكثر من مجرد مكان، ليتحول إلى فضاء يشبه جدرانه ساكنيه، ويطرح تساؤلات حول طبيعة العودة والملاذ الآمن.
تُبنى الكاتبة معادلاً رمزيًا لهذا السؤال من خلال قصر “لو شاتو”، الذي لا يمثل مجرد مكان مادي، بل يكتسب معالم إنسانية، ليغدو كائنًا حيًا يتنفس بأنفاس قاطنيه. هؤلاء القاطنون هم فنانون عرب مهاجرون يمارسون الفن بأطيافه المتعددة، من الموسيقى والغناء والرسم إلى صناعة المحتوى وألعاب السيرك، مما يضيف عمقًا وتنوعًا للعوالم التي تتداخل داخل القصر.
منذ المشهد الافتتاحي، يقدم السرد للقارئ القصر من مسافة سينمائية بانورامية من خلال عين سارد مجهول. يكشف السارد أن “لو شاتو” يتنفس حياة قاطنيه من الفنانين والمشردين والغرباء واللاجئين، الذين يملؤون فوضاه الأزلية بأصوات الضحك والغناء. يستعرض السرد بعد ذلك لمحة عن تاريخ القصر، الذي كان ملكًا لكونت فرنسي إسباني، تحول فيما بعد إلى فضاء تخييلي يؤسس لعالم الأبطال، ليكون لهم ملاذًا هشًا وبيتًا حنونًا مؤقتًا.
صراع الهجرة وتشكيل الهوية
تستثمر الكاتبة لنا عبد الرحمن في روايتها “ليالي سان دوني” تنوع شخصياتها وخلفياتها، مقدمة عالمًا متعدد الأصوات من خلال نحو عشرة مهاجرين ولاجئين وهاربين. تتشكل خريطة إنسانية مصغرة، حيث تتكشف ملامح كل شخصية عبر انعكاسها في مرآة الآخر أو عبر مونولوجها الداخلي، ما يعكس حالة التشظي واللايقين التي تحكم هذا العالم من المهاجرين.
تمثل ضاحية “سان دوني” الباريسية الفضاء المكاني الرئيسي للسرد، لكن الذاكرة الشخصية المحملة بتاريخ الحروب والقمع والهجرة، تظل حاضرة كملعب خلفي للأحداث. يسعى أصحاب هذه الذاكرة للعثور على بيوت بديلة آمنة داخل جدران القصر، هربًا من ملاحقة الخارج لهم. تلتقي هذه القصص في القصر، لتنسج نسيجًا معقدًا يعبر عن البحث عن الأمان والانتماء.
تبرز الرواية شخصيتين فرنسيتين، “يوهانس” و”كامي”، كمركز يدير القصر، بينما يظهران على هامش “المؤسسة” الغربية التي تميل لتقويض الهجرة. “كامي”، الناشطة البيئية، تهجر باريس لتسكن في كوخ مبني بين شجرتين في محيط القصر، وتُصبح صوتًا منحازًا للغرباء. تدعم بقاءهم وتسهل إقامتهم غير الشرعية، انطلاقًا من إيمانها بأن الحدود والقوانين تفرق البشر، ورابطة بذلك بين تهجير الإنسان والاعتداء على البيئة كـ”خراب كونيٍّ”.
يظهر منطق الشخصيات المتضارب كجزء أصيل من نسيج السرد، فـ”أبو الطيب” السوري يلخص موقفه العدمي بقوله: “الحياة ما هي إلا مزحة كبيرة”. في المقابل، تجد “نايا” اللبنانية، العازفة والراقصة سابقًا، عزلتها في القصر بعد أن أصبحت بساق مكسورة، معيدةً تأويل وجودها بأن “الحياة فوضى رائعة”. أما “مازن”، لقب “عمدة المهاجرين”، فيتبنى منطق “كل شيء قابل للتفاوض”، مقايضًا ماضيه وحاضره بعد أن شهد احتراق حلب.
تحديات الهجرة والبحث عن الاستقرار
لا تبدو الهوية في الرواية معطى ثابتًا، بل تتكشف كبناء متغير يُعاد تشكيله تحت ضغوط السياسة والذاكرة وآلياتها الدفاعية. يذكر أحد الأبطال: “تعلمت في باريس أن المرونة هي المفتاح للبقاء”. هذا يؤكد على الحاجة إلى التكيف المستمر في ظل ظروف الهجرة الصعبة التي يواجهها الأفراد.
في الوقت الذي تنشغل فيه الشخصيات “العربية” بتدبير بقائها داخل القصر هربًا من تعقب السلطات لأوراقهم الرسمية، تسود خارج القصر سردية “فرنسية” تنظر إليهم كـ”كائنات وافدة إلى عالمهم، تشاركهم في الأرض والماء ومكاسب الوطن، ثم رويدًا رويدًا، يتناسلون ويحتلون مكانهم في المجتمع، الغرباء القادمون من بعيد، من الأرض المحترقة”. الرواية تعري هذا المنطق، كاشفة عن كيفية إعادة إنتاج صورة المهاجر ضمن خطاب يختزله في موقع “الوافد” المهدد، وتحلل عمق تأثير المهاجرين و”صراع الهجرة” على المجتمعات المضيفة.
تعمد لنا عبد الرحمن إلى اختيار عوالم شديدة التباين لأبطالها، وخاصة بطلاتها. “عبير” الليبية، تدفعها تقلبات الحياة لتصبح “يوتيوبر” عبر قناتها “عبير في بلاد الله”، حيث تُصبح نسب المشاهدة موردها المادي ووسيلتها لإعالة بناتها الثلاث. “درصاف” الأفغانية، الهاربة من إرث “طالبان”، تسعى لتعلم الفرنسية وشق طريقها في باريس، لكنها تظل عالقة بين خياري علاقة حب أو زواج مصلحة لضمان الاستقرار، في محاولة للإفلات من ماضيها.
تضع “ليالي سان دوني” سؤال “البيت” موضع شك عميق. يبدو الانتماء في الرواية مرهونًا بلحظات عابرة، ويصبح الفن ملاذًا لا يخذل أهل القصر الذين لم يكفوا عن الغناء بلهجاتهم حتى لحظة النهاية. تنتهي الرواية بصوت كسير يردد: “لا بيت يدوم”، مما يعكس حقيقة أن الاستقرار في “البيت” قد يكون وهمًا، وأن الحدود وهشاشتها تظل عاملًا أساسيًا في تشكيل مصائر البشر. يبقى السؤال الأهم هو كيف سيتطور مستقبل قضايا اللجوء و”صراع الهجرة” في ظل التحديات العالمية الراهنة.



























