يواجه الكرملين فرصًا وتحديات جديدة مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط، حيث أربكت الحرب المشهد الدبلوماسي وأعادت تشكيل الأولويات الاستراتيجية. فبينما كانت موسكو تسعى لفرض صفقة مرضية مع واشنطن بشأن أوكرانيا، وجدت نفسها أمام واقع جديد يهدد مصالحها في مناطق حيوية مثل حوض قزوين وجنوب القوقاز، وفي الوقت نفسه يوفر فرصة لتعميق الانقسامات الأطلسية.
تُظهر تصريحات الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف، الذي أكد أن “لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ”، مدى تعقيد الموقف بالنسبة لموسكو. فقد سعت روسيا جاهدة لتجنب حرب واسعة النطاق في المنطقة، لكنها فشلت في كبح جماح التصعيد.
الحرب تربك المشهد وتغير التوازنات
منذ بداية الصراع، اعتمدت التقديرات الروسية على استحالة تقويض النظام الإيراني بضربات جوية، مما يشير إلى أن إنهاء الحرب سيتطلب تدخلاً بريًا مكلفًا. كما توقعت موسكو أن يكون وقف الأعمال العدائية مماثلاً لـ”حرب الأيام الـ12″ في العام الماضي، حيث يعلن كل طرف انتصاره دون تحقيق الأهداف النهائية، وهو ما يصب في مصلحة الكرملين عبر إضعاف إيران مع الحفاظ على تماسكها.
وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن توسع رقعة الحرب، ترى موسكو أن طهران نجحت في امتصاص الضربة الأولية وتحويل الصراع إلى مواجهة استنزافية. تعول روسيا على التطورات الداخلية المحتملة في معسكري واشنطن وتل أبيب، وتفاقم التباين في المواقف مع الأطراف الأوروبية المتضررة من استمرار الصراع.
يتجلى الرهان الروسي على صمود إيران في تأكيد الكرملين المتكرر أن العمليات العسكرية ضد إيران “أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد”. وتشدد موسكو على أن استهداف القيادات السياسية الإيرانية “لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة”، مع دعمها لحق طهران في “الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها”، رغم انتقادها لاستهداف إيران لبلدان الخليج.
بوتين وخط الوساطة الروسي
حاول الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في البداية استغلال الوضع لتعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة سريعة لوقف الحرب. أجرى مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة، منتقدًا الضربات الإيرانية وتأكيد قدرة موسكو على توجيه رسائل مباشرة إلى طهران. كما أعاد طرح أفكار روسية سابقة تتعلق بتخفيف التوتر حول ملفي “القدرات النووية الإيرانية” و”البرنامج الصاروخي”.
تضمنت العروض الروسية استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصب ونقله إلى الأراضي الروسية، وتقديم ضمانة بعدم استخدام القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل أو بلدان الجوار. وقد طرح هذا العرض خلال مكالمة بوتين مع نظيره الأمريكي دونالد ترامب، لكنه لم يلقَ حماسة من تل أبيب التي تصر على الخيار العسكري، ولا من واشنطن التي اعتبرت أن على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا أولاً.
موسكو ومساعدة إيران
تبدو خيارات الكرملين للتدخل المباشر محدودة لوقف الحرب، إلا أن اتهامات أمريكية لموسكو بتقديم مساعدات استخباراتية لإيران تشير إلى دور غير مباشر. هذه الاتهامات لم تقتصر على التسريبات، بل شملت تحذيرًا مباشرًا من المبعوث الرئاسي الأمريكي ستيف ويتكوف. وترى أوساط روسية أن موسكو ليس لديها بديل عن مواصلة تقديم عون “غير مباشر” لإيران، مع محاولة تجنب إغضاب واشنطن.
يتجه هذا العون، الموجه لـ”تعزيز صمود الإيرانيين”، في اتجاهين رئيسيين: الأول هو تقديم معلومات استخباراتية حول التحركات الإسرائيلية، مع تجنب أي عون يضر مباشرة بالأمريكيين للحفاظ على العلاقة مع ترامب. أما الثاني، فيتمثل في دعم غير مباشر عبر شركات خاصة في مجال التقنيات السيبرانية، وهو دعم محدود التكلفة السياسية لا يمكن تحميل الكرملين وزره مباشرة.
تسوية أوكرانيا مؤجلة وانعكاسات على أوروبا
ألقت المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران بظلالها على توقعات انتهاء الحرب الأوكرانية، في ظل انشغال واشنطن بـ”أولويات أخرى”. يتزايد الاعتقاد في كييف وموسكو بأن تداعيات أزمة الشرق الأوسط ستكون طويلة الأمد. وقد أشارت تقارير أوكرانية إلى استعداد الرئيس زيلينسكي لمواجهة استمرار الحرب مع روسيا لمدة قد تصل إلى ثلاث سنوات إضافية.
كما أشار الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعني بالقضايا الأمنية (روسيا، الولايات المتحدة، أوكرانيا)، معربًا عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكن واشنطن من إيلاء المزيد من الاهتمام لهذه القضية. وأكد أن “لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم”.
تُظهر ردود الفعل الروسية ارتياحًا حيال الوضع الصعب في أوروبا نتيجة للحرب، خاصة مع تفاقم المخاوف من ارتفاع أسعار الغاز والنفط. هذا الوضع قد يضطر بروكسل وواشنطن لاتخاذ خطوات لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة نقص محتمل في الأسواق. ويرى الكرملين أن “سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية”.
يرى دبلوماسيون وخبراء روس أن أزمة الشرق الأوسط الأخيرة، بالتعاون مع تداعيات الأزمة الأوكرانية، أسهمت في تعميق التوتر في العلاقات عبر الأطلسي. ويعتقدون أن الحرب على إيران قد دقت “الإسفين الأخير” في هذه العلاقات، مع ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات جيوسياسية واسعة النطاق.
الحرب تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز
على الرغم من الفرص التي توفرها الانقسامات الأطلسية، فإن الحرب على إيران تشكل تهديدًا مباشرًا لموسكو في منطقة جنوب القوقاز، التي تعتبر “الخاصرة الرخوة” لروسيا. ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية إلى منطقة حوض قزوين، حيث أكد الكرملين “الرفض القاطع” لهذا الامتداد، بينما تحدثت تقارير عن مخاطر قطع سلاسل الإمداد وتهديد المصالح الروسية الحيوية في بحر قزوين.
تخشى موسكو من تأثير هذه الحرب على توازنات القوى في المنطقة، خاصة مع اعتبار أذربيجان حليفًا وشريكًا رئيسيًا لإسرائيل. القصف الإسرائيلي لميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين، والذي استهدف سفنًا وبنية تحتية إيرانية، يشكل رسالة قوية لايران وروسيا على حد سواء، مهددًا المصالح الاستراتيجية الروسية المرتبطة بالممر الدولي (شمال – جنوب) الذي يربط الهند وإيران وروسيا وأوروبا. هذا التوتر يزيد الضغط على المسارات التجارية الحيوية ويشير إلى تحدٍ مباشر للأمن القومي الروسي.
الوضع الراهن يضع الكرملين أمام مهمة معقدة تتمثل في إدارة التوازن بين مصالحه المتعارضة في الشرق الأوسط وأوروبا. سيتعين على موسكو مراجعة استراتيجياتها في جنوب القوقاز وحوض قزوين للحفاظ على نفوذها، بينما تراقب عن كثب تطورات الحرب الأوكرانية وانعكاسات الصراع الإيراني على العلاقات الأطلسية.































