يدخل لبنان مرحلة حاسمة مع اقتراب موعد إحالة النائب العام التمييزي، القاضي جمال الحجار، إلى التقاعد في 25 أبريل الحالي، مما يفتح الباب أمام معركة حامية لاختيار خليفته. يعد منصب النائب العام التمييزي أحد أهم وأكثر المواقع القضائية حساسية في البلاد، نظراً لدوره المحوري كرئيس للنيابات العامة ومرجعية للضابطة العدلية، فضلاً عن أبعاده السياسية والأمنية المتشابكة.
تتجاوز أهمية هذا المنصب كونه نقطة تقاطع دقيقة بين السلطة التنفيذية والجسم القضائي، حيث يتولى النائب العام التمييزي مهاماً حساسة تتعلق بالتعاون القضائي الدولي وإدارة الملفات الكبرى التي غالباً ما تحمل أبعاداً سياسية وأمنية داخلية وخارجية.
تحديات قضائية وأمنية بانتظار النائب العام التمييزي الجديد
تعاظم دور النائب العام التمييزي بشكل لافت في السنوات الأخيرة، خصوصاً في متابعة ملفات دولية معقدة. أبرزها التحقيقات المرتبطة بانفجار مرفأ بيروت، حيث كان للنائب العام دور محوري في تلقي الاستنابات القضائية الدولية والرد عليها. كما برز دوره في التنسيق مع الأجهزة الأمنية اللبنانية والدولية، لمكافحة شبكات تهريب المخدرات، وخاصة شحنات “الكبتاغون” التي تسببت بتوترات دبلوماسية مع دول الخليج العربي.
تؤكد مصادر مطلعة أن المرحلة المقبلة ستكون دقيقة ومعقدة بشكل استثنائي بالنسبة للنائب العام الجديد. يتوقع وصول طلبات تعاون قضائي وأمني من دول خليجية، بعد اكتشاف خلايا أمنية يُعتقد أنها مرتبطة بـ”حزب الله” كانت تخطط لعمليات في دول مثل الكويت والإمارات والبحرين وقطر. هذا الملف يشكل اختباراً حقيقياً لأداء النائب العام الجديد، ودوره في تتبع خيوط هذه الشبكات داخل لبنان والتحقيق في صلات محتملة لأفراد مقيمين فيه بدعم تلك الخلايا.
يضاف إلى ذلك، يتوقع أن يواجه النائب العام التمييزي الجديد تحدياً مهماً في استكمال إدارة الملفات الأمنية والقضائية المتعلقة بعناصر ومسؤولين في “حزب الله”، خاصة بعد قرار الحكومة اللبنانية بحظر نشاطات الحزب العسكرية والأمنية واعتبارها خارجة عن القانون. هذه الملفات تتطلب مقاربة حذرة وموضوعية، مع الحفاظ على استقلالية القضاء ونزاهته.
تجاذبات سياسية ومعايير اختيار خليفة النائب العام
تشتد حدة التجاذب السياسي حول الشخصية القضائية التي ستتولى منصب النائب العام التمييزي. تسعى كل أطراف المشهد السياسي إلى ترجيح كفة مرشحها، مما يعكس الأهمية الاستراتيجية لهذا الموقع. تشير المصادر إلى أن رئيس الجمهورية جوزيف عون يميل إلى دعم تعيين رئيس محكمة الجنايات في الشمال القاضي ربيع الحسامي. في المقابل، يفضل مقربون من رئيس الحكومة نواف سلام تعيين المحامي العام لدى محكمة التمييز القاضي أحمد رامي الحاج.
على مستوى مجلس القضاء الأعلى، يرى البعض في القاضية رولا عثمان، التي تشغل حالياً منصب قاضي التحقيق الأول في بيروت، خياراً محتملاً قد يعكس توجهاً نحو تعزيز حضور المرأة في المناصب القضائية العليا. إلا أن مصادر مطلعة لفتت إلى أن تأثير مجلس القضاء الأعلى أصبح محدوداً، خصوصاً بعد أن أبطل المجلس الدستوري قانون استقلالية السلطة القضائية، الذي كان يمنحه حق اقتراح ثلاثة أسماء للمنصب، تلزم الحكومة باختيار أحدهم.
في غياب تأثير مجلس القضاء، يبقى التعيين مرهوناً بالتوافق السياسي، على الأقل بين رئيسي الجمهورية والحكومة. وتلعب التوازنات الطائفية دوراً هاماً في عملية الاختيار؛ فالمعتاد أن يكون النائب العام التمييزي من الطائفة السنية، مما يمنح رئيس الحكومة هامشاً أوسع في اختيار الاسم النهائي. لا تستبعد المصادر بروز أسماء جديدة من خارج قائمة المرشحين الأساسيين، مثل رئيس محكمة التمييز الجزائية القاضي أسامة منيمنة، ومدير عام وزارة العدل القاضي محمد المصري، بالإضافة إلى القاضي علي عواجي.
تشير المعطيات المتداولة في الأوساط القضائية إلى تقدم نسبي في حظوظ القاضي محمد المصري خلال الأيام الأخيرة، نظراً لكونه الأعلى درجة بين القضاة السنة، وهو عامل يلعب دوراً في الترجيح داخل الجسم القضائي. ويُرجح أن يكون القاضي أسامة منيمنة مرشحاً بارزاً لتولي رئاسة هيئة التفتيش القضائي، خلفاً للقاضي أيمن عويدات الذي سيحال إلى التقاعد في يوليو المقبل. يترقب اللبنانيون باهتمام التطورات القادمة حول هذا الملف الحيوي، والذي سيكون له تأثيرات بعيدة المدى على المشهد القضائي والسياسي في البلاد.




























