«المراقبة الحسّية» تحوّل الحياة اليومية إلى مجموعة أدلة

في عصر التحول الرقمي المتسارع، لم تعد حياتنا اليومية منفصلة عن عالم البيانات. ففي كل مرة نستخدم فيها هواتفنا الذكية أو نقود سياراتنا المتصلة بالإنترنت، فإنّنا نُنتج ‘المراقبة الحسّية’ التي تحول أدق تحركاتنا وتفاصيل حياتنا إلى سجلات رقمية يمكن تتبعها وتحليلها. هذا ما يكشفه أندرو غوثري فيرغسون في كتابه “بياناتك ستُستخدم ضدك: العمل الشرطي في عصر المراقبة الذاتية”، الذي يسلط الضوء على كيفية تحول إنترنت الأشياء إلى شبكة مراقبة واسعة النطاق.

يتناول الكتاب بالتفصيل الآليات التي تمكن أجهزة إنفاذ القانون من إعادة توظيف التكنولوجيا الاستهلاكية، مثل خدمة “مخزن غوغل للاستشعار” (Google’s sensorveillance)، ومذكرات التفتيش الجغرافي، وقياس بيانات المركبات عن بُعد. هذه التقنيات، التي تهدف في الأصل إلى تحسين تجربة المستخدم، أصبحت أدوات فعالة للتحقيق والسيطرة، مستعرضًا حوادث واقعية تُظهر كيف يمكن لهذه البيانات أن تُستخدم كأدلة حاسمة.

المراقبة الحسّية في حوادث واقعية: من السطو إلى الاصطدام

تُسلط بعض الحوادث الضوء على الدور المتزايد لـ “المراقبة الحسّية” في التحقيقات الجنائية. في حادثة سطو على بنك بولاية فرجينيا، لم تكن لدى الشرطة خيوط واضحة، إلا أنهم افترضوا أن اللص كان يحمل هاتفًا ذكيًا. بناءً على هذا الافتراض، وبعد سلسلة من أوامر التفتيش، قدمت Google معلومات عن الهواتف التي كانت قريبة من البنك وقت السرقة، ما أدى إلى تحديد هوية الجاني واعتقاله.

وفي حادثة أخرى، واجهت كاثي بيرنشتاين تهمة مغادرة مكان حادث بعد أن قامت سيارتها المجهزة بنظام 911 Assist بالإبلاغ التلقائي عن اصطدام وقع. فعلى الرغم من محاولتها المغادرة، رصدت السيارة الاصطدام، واتصلت بالشرطة، مما جعل السيارة نفسها دليلاً لإدانتها.

إنترنت الأشياء: تحول الأغراض العادية إلى أدوات استخبارات

ما كان في الماضي مجرد أغراض بسيطة، مثل الدراجات التي كانت وسيلة نقل فحسب، أصبح اليوم جزءًا من شبكة إنترنت الأشياء. فالدراجات الحديثة يمكنها تتبع المسار وحساب السرعة، وكذلك الحال بالنسبة لخدمات مشاركة الدراجات الكهربائية التي تجمع بيانات رحلاتها ورحلات مستخدميها. هذا التحول الكبير هو ما أشار إليه خبير التكنولوجيا كيفن أشتون عندما صاغ مصطلح “إنترنت الأشياء” في أواخر التسعينيات.

توقع أشتون إضافة علامات تعريف الترددات الراديوية (RFID) وأجهزة استشعار إلى الأجهزة اليومية لجمع البيانات تلقائيًا. واليوم، توسعت “إنترنت الأشياء” لتشمل أجهزة استشعار متصلة بالـ Wi-Fi والـ Bluetooth والشبكات الخلوية ونظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، التي تسجل بيانات عن الحركة والحرارة والضغط والموقع. هذه المنظومة، بطبيعتها، تعتبر نظام مراقبة واسع، حيث أصبحت “المراقبة الاستشعارية” الوضع الافتراضي في العالم المتقدم.

شبكات مراقبة الهواتف المحمولة وتحديات الخصوصية

تعد الهواتف المحمولة نقطة أساسية في منظومة المراقبة، حيث تتعقب شركات الاتصالات مواقع المستخدمين باستمرار من خلال أبراج الاتصالات. إذا حملت هاتفك معك، فإن موقعه، المسجل كمعلومات موقع خلية الاتصال (CSLI)، يكشف هويتك وتحركاتك. هذا مجرد غيض من فيض البيانات التي تُجمع؛ فالشركات مثل Google تعتمد على تتبع المستخدمين لتقديم إعلانات موجهة، وتجمع خدمات تحديد المواقع من Google بيانات من GPS و Bluetooth وأبراج الاتصالات وعناوين IP وإشارات Wi-Fi.

لسنوات، كانت Google تخزن هذه المعلومات في ما أسمته “مخزن المستشعرات”، والذي كان بمثابة كنز لأجهزة إنفاذ القانون. في عام 2020، تلقت Google أكثر من 11,500 طلب إذن للحصول على معلومات من هذا المخزن. ومع ذلك، في عام 2024، أعلنت Google أنها ستخزن معلومات الموقع الجغرافي على الأجهزة الفردية بدلاً من السحابة، مما يزيد من صعوبة وصول الشرطة إلى هذه البيانات دون أمر قضائي محدد لكل جهاز. التغيير في سياسة الشركة هذا، وإن كان قابلاً للتراجع، يمثل خطوة نحو تعزيز خصوصية المستخدمين.

تجمع بيانات السيارات بين الأمان والمراقبة

لا تقتصر المراقبة على الهواتف فحسب، بل تمتد إلى السيارات التي أصبحت تجمع كميات هائلة من المعلومات. يمكن لأجهزة استخراج البيانات المحمولة جمع معلومات حول سرعة السيارة، واستخدام المكابح، وموقعها وقت وقوع الحوادث. حتى التطبيقات غير المرتبطة بالملاحة يمكنها جمع بيانات الموقع، كما حدث في قضية ولاية بنسلفانيا حيث استخدمت بيانات تطبيق مصباح يدوي لإدانة لص.

تشارك أنظمة القياس عن بُعد المدمجة في السيارات المعلومات مع جهات خارجية. على سبيل المثال، تجمع شركات مثل “ستيلانتيس” معلومات عن طريقة استخدامك للسيارة وسرعتك. وذهبت “نيسان” إلى أبعد من ذلك، حيث أشارت سياستها للخصوصية إلى حقها في جمع معلومات “عن النشاط الجنسي، وبيانات التشخيص الصحي، والبيانات الجينية”، بالإضافة إلى “التفضيلات، والخصائص، والاتجاهات النفسية، والسلوك”، وحقها في تقديم هذه المعلومات لوسطاء البيانات ولجهات إنفاذ القانون.

في الختام، يُشير هذا التحول العميق في جمع البيانات إلى تحديات كبيرة للخصوصية. على الرغم من أن التكنولوجيا توفر حلولًا مثل تخزين البيانات محليًا على الأجهزة، إلا أن المذكرات القضائية يمكن أن تجعل هذه المعلومات متاحة للشرطة. يبرز ذلك المعضلة الأساسية للعصر الرقمي: لا يمكننا تجنب إنشاء البيانات، ولكن بمجرد إنشائها، تصبح عرضة للاستخدامات القانونية وغير القانونية. إن إمكانية إساءة استخدام هذه السلطة الهائلة أمر حتمي، ويبقى السؤال الأهم حول كيفية الموازنة بين الحاجة إلى الأمن وحق الفرد في الخصوصية.