في عالم الفن اللبناني، يبرز الثنائي المبدع ندى أبو فرحات وإيلي كمال كنموذج للشراكة المثمرة، ليس فقط على الصعيد الشخصي كزوجين، بل أيضاً في مسرح الحياة الفنية. حيث تتشابك خيوط الحب والمهنية لنسج أعمال فنية تلامس الواقع اللبناني بقضاياه المعقدة. تتألق ندى أبو فرحات على الشاشتين الكبيرة والصغيرة، لكن صعودها المتكرر على خشبة المسرح مؤخراً يؤكد مكانتها كـ “ابنة المسرح” بامتياز، وهذا ما يتجسد بوضوح في مسرحية “حَنّة” أحدث إبداعات الثنائي الفني.
يقف المخرج والكاتب إيلي كمال في غرفة التحكم، متابعاً بشغف استعداد ندى أبو فرحات لدخول عالم شخصية “حَنّة”. وسط ترقب الجميع، يتمايل كمال على أنغام فيليومن وهبه، حماساً لعرض جديد يجمع بين الزوجين، ويبرهن على العلاقة الفنية العميقة بينهما التي بدأت عام 2012 وامتدت لتشمل حياتهما الشخصية بإنجابهما ابنهما نَدي.
ندى أبو فرحات وإيلي كمال: شراكة فنية تتجاوز حدود المسرح
تُعد الشراكة بين ندى أبو فرحات وإيلي كمال فريدة من نوعها، حيث يتداخل الفن مع حياتهما اليومية. يرى كمال أن ندى كانت من خياراته الأولى لأداء شخصية “حَنّة” لما تتمتع به من احترافية وانضباط، بغض النظر عن كونهما زوجين. هذا التقدير المتبادل يظهر جلياً في حديث ندى عن إعجابها بكتابات زوجها وثقافته الواسعة وحس الفكاهة الذي لا يتعارض مع أسلوبه المهذب.
منذ لقائهما الأول خلال تصوير فيلم “تلج” عام 2012، تطورت علاقتهما لتصبح شراكة فنية وحياتية. بالرغم من مسيرتهما المهنية المستقلة في السينما والتلفزيون والمسرح، إلا أنهما كانا يجتمعان تحت سقف فني واحد بشكل دوري، كما حدث في مسرحية “مجنون يحكي” وفيلم “تانغو الثورة”.
“حَنّة”: مسرحية تلامس قضايا المجتمع اللبناني
شهدت السنوات الأخيرة تزايداً في النشاط المشترك للثنائي، حيث شاركت ندى أبو فرحات في ثلاث من مسرحيات إيلي كمال: “لغم أرضي” (2018)، و”آخدة كسرة” (2025)، وأخيراً “حَنّة” التي تعرض حالياً في بيروت. هذه الأعمال المشتركة تعكس تطوراً في رؤيتهما الفنية المشتركة، ويعدان الجمهور بمسرحية رابعة “مشروع الحلم” بنص جاهز وتحضير متواصل.
مسرحية “حَنّة” ليست مجرد عمل فني، بل هي مرآة تعكس الواقع اللبناني المرير. يوازن إيلي كمال ببراعة بين الكوميديا السوداء والمحتوى التراجيدي، مركزاً على قضية سرقة أموال المودعين في لبنان، وهي قضية تلامس قلبه بعمق. تجسد شخصية “حَنّة” التي تؤديها ندى أبو فرحات جميع المتضررين، مستخدمة الضحكة والسخرية الهادفة للتعبير عن الألم.
تستمد ندى أبو فرحات إلهامها لشخصية “حَنّة” من أشخاص حقيقيين، مزجت من خلالهم البريئة والعفوية لشخص مصاب بمتلازمة داون، وتعابير وجه والدة صديقتها، والناحية القاسية من عمتها. هذا المزيج الفريد منح “حَنّة” عمقاً ومصداقية، مما جعلها تلامس قلوب الجمهور.
تحديات الإنتاج الفني في لبنان والعالم العربي
يواجه الفنانون اللبنانيون تحديات جمة في إنتاج أعمالهم، وهو ما عكسته تجربة إيلي كمال وندى أبو فرحات في تحضيرات مسرحية “حَنّة” التي تمت على وقع الغارات الإسرائيلية. يؤكد كمال أن العمل في المسرح لا يتوقف، وكل عرض هو بمثابة عرض جديد يتطلب تشذيباً يومياً لضمان استمرارية الجودة.
يعتبر الثنائي أن العمل المشترك ينعكس على حياتهما المنزلية، وهو “سيف ذو حدين”. فقد يؤدي حساسية الفنان إلى بعض الاختلافات، لكنه أيضاً يولد فيضاً من المشاعر الإيجابية والتعاون المثمر. فعلى سبيل المثال، بنيا شخصية “حَنّة” معاً، ووصلا إلى صيغة أفضل بكثير مما تخيلاه بشكل فردي.
يمتد التعاون بين الزوجين ليشمل اختيار فريق الممثلين، حيث أبدع الممثلون المشاركون في “حَنّة”، سلمى شلبي، كريم شبلي، وجويس أبو جودة، في أدائهم، مقدمين تناغماً كاملاً على خشبة المسرح. يؤكد هذا الانسجام الفني أن ندى وإيلي يلهمان بعضهما البعض، ليقدما للجمهور أعمالاً فنية تجمع بين الإبداع والعمق.
في الختام، يبرهن نجاح مسرحية “حَنّة” والقبول الجماهيري الواسع على أهمية الشراكة الفنية التي تجمع ندى أبو فرحات وإيلي كمال. هذا الثنائي يواصل تقديم أعمال تلامس نبض الشارع اللبناني، مع تحديات مستمرة لكن بإبداع دائم. بانتظار “المشروع الحلم” الرابع، يتطلع الجمهور إلى المزيد من الأعمال التي تجمع بين هذا الثنائي الملهم، لتبقى مساهمات ندى أبو فرحات وإيلي كمال علامة فارقة في المشهد الفني العربي.
































