تود بلانش… محامي ترمب يرث وزارة العدل الأميركية

أصبح تود بلانش، المحامي الشخصي السابق للرئيس دونالد ترمب، وزيراً للعدل بالإنابة في الولايات المتحدة، في تحوّل يثير تساؤلات حول استقلالية الوزارة ودورها المستقبلي. يأتي هذا التعيين بعد أن كان بلانش أحد أبرز المدافعين عن ترمب في قضاياه الجنائية، مما يربط صعوده بمرحلة حساسة من إدارة ترمب الثانية. يواجه بلانش تحديات كبيرة في ظل اتهامات للمعارضة بتحويل الوزارة إلى أداة سياسية.

صعد بلانش، الذي بدأ حياته المهنية داخل وزارة العدل قبل أن يصبح محامي دفاع بارز، إلى هذا المنصب في مايو 2026، خلفاً لبام بوندي. هذا التعيين ليس مجرد تغيير إداري عادي، بل يعكس تداعيات سياسية عميقة، خصوصاً مع إعادة فتح ملف جيمس كومي، المدير الأسبق لمكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي)، في قضية تثير جدلاً حول دوافعها وتوقيتها.

الخلفية المهنية والشخصية لتود بلانش

وُلد تود والاس بلانش في دنفر، كولورادو عام 1974، لأب كندي وأم ممرضة. انتقلت عائلته إلى غينزفيل بفلوريدا عام 1987. تخرج بلانش من الجامعة الأميركية في واشنطن وحصل على إجازة في الحقوق من كلية بروكلين للحقوق عام 2003.

بعد تخرجه، التحق بلانش بوزارة العدل وعمل فيها لمدة 15 عاماً، حيث تدرج في مناصب إدارية وقانونية، وأصبح مساعداً للمدعي العام الفيدرالي في المنطقة الجنوبية من نيويورك، وهي إحدى أهم النيابات الفيدرالية. بلانش متزوج من كريستين، وينحدر من خلفية مهنية غنية داخل النظام القضائي الأميركي.

يشرف بلانش حاليًا، بصفته وزيرًا بالإنابة ونائبًا للوزير، على أكثر من مئة ألف موظف في الوزارة، بما في ذلك إف بي آي وإدارة مكافحة المخدرات والمارشالات ومكاتب المدعين الفيدراليين الـ93.

الشرعية المهنية وتحدي الولاء

تقدم خلفية بلانش المهنية “شرعية” يفتقر إليها كثيرون في إدارة ترمب. إنه ليس ناشطًا حزبيًا أو محاميًا إعلاميًا، بل بيروقراطي قانوني ذو خبرة داخل الوزارة. ومع ذلك، لا يمكن فصل خبرته عن علاقته الشخصية والسياسية المباشرة بالرئيس ترمب، الذي دافع عنه بلانش في قضايا جنائية متعددة عامي 2023 و2024.

يعتبر هذا الوضع المفارقة الأساسية في تعيين بلانش: هل يستطيع محامي ترمب السابق أن يكون حارسًا مستقلاً للقانون، أم أن منصبه الجديد هو امتداد لعلاقة الدفاع عن الرئيس، ولكن باستخدام أدوات الدولة ومواردها؟ هذا هو السؤال الذي يطرحه دائمًا منتقدو بلانش.

تثبيت بلانش في مجلس الشيوخ والجدل المحيط به

في مارس 2025، ثبت مجلس الشيوخ بلانش نائبًا لوزير العدل بأغلبية 52 صوتًا مقابل 46. لم يكن التصويت مجرد انقسام حزبي، بل عكس قلقًا عميقًا من أن يتولى محامي ترمب السابق منصب “الرجل الثاني” في الوزارة المسؤولة عن التحقيقات الفيدرالية.

تزامن تثبيت بلانش مع توجيه بام بوندي، في يومها الأول كوزيرة للعدل، لمكتب نائب الوزير بإطلاق مجموعة عمل لمراجعة ما وصفته الإدارة بـ”تسليح” العدالة ضد ترمب. وقد شمل ذلك قضايا المحقق الخاص جاك سميث، وقضية الوثائق السرية، ومحاولة قلب نتائج انتخابات 2020، وقضية نيويورك المتعلقة بمدفوعات إسكات الممثلة ستورمي دانييلز، وفقًا لرويترز.

خلال جلسة تثبيته، تجنب بلانش الإجابة بوضوح عما إذا كان سيتنحى عن مراجعة القضايا التي شارك سابقًا في الدفاع عن ترمب فيها، مما زاد من المخاوف حول استقلاليته. وصعوده إلى منصب الوزير بالإنابة بعد خروج بوندي لم يكن مفاجئًا تمامًا، حيث كان جزءًا من هذه العملية منذ البداية.

قضية جيمس كومي: اختبار جديد

كان اتهام جيمس كومي أول اختبار كبير لبلانش في منصبه الجديد. تعتمد القضية، حسب الصحف الأميركية، على صورة نشرها كومي عام 2025 لأصداف مرتبة على شكل “86 47”. وبما أن ترمب هو الرئيس السابع والأربعون، اعتبر مسؤولون جمهوريون العبارة تهديدًا مبطنًا، حيث يمكن استخدام “86” عاميًا بمعنى التخلص من شخص أو قتله.

المشكلة القانونية لا تكمن في حساسية أي تهديد محتمل ضد رئيس الولايات المتحدة، بل في إثبات النية. القضايا المتعلقة بالتهديدات لا تبنى على العبارة وحدها، بل على السياق والقصد. بدا بلانش، في مؤتمره الصحفي، وكأنه يحاول تثبيت معادلة سياسية أكثر منها قانونية بقوله: “لا يُسمح لك بتهديد رئيس الولايات المتحدة!”، دون الإجابة على السؤال الأصعب: هل ما فعله كومي تهديد جنائي، أم تعبير سياسي غامض وغير موفق؟

ملف جيفري إبستين: جرح عميق

إذا كانت قضية كومي تمثل اختبارًا لهوية وزارة العدل تحت قيادة بلانش، فإن ملف جيفري إبستين يمثل اختبارًا لصدقيتها. تحول هذا الملف إلى عبء سياسي على إدارة ترمب الثانية، ليس فقط بسبب حساسيته الأخلاقية والقانونية، بل أيضًا بسبب اتهامات بالتلاعب بالإفراج عن الوثائق أو الإفراط في حجبها.

وفقًا لصحيفة الغارديان البريطانية، رفعت الصحفية والمحللة القانونية كايتي فانغ دعوى ضد بلانش، متهمة وزارة العدل بـ”انتهاك قانون الشفافية” المتعلق بملفات إبستين. واجه بلانش اتهامات بتعطيل العملية وإصدار جزء فقط من الوثائق. وهذا الملف يضع بلانش في معضلة: الكشف عن الكثير قد يثير غضب دوائر قريبة من السلطة، وحجب الكثير سيعزز اتهامات التستر.

الولاء كمعيار للحكم: مستقبل وزارة العدل

في إدارة ترمب الثانية، لا يبدو الولاء شرطًا جانبيًا، بل جزءًا من هندسة الحكم. غادرت بام بوندي، أو أقيلت، حسب تقارير أميركية، لأنها لم تكن فعالة بما يكفي في ملاحقة أعداء الرئيس، مما يعني أن المشكلة لم تكن مقتصرة على اتجاه الوزارة، بل في سرعة تنفيذ هذا الاتجاه وحدته.

يتفهم بلانش هذه الرسالة جيدًا. لقد دافع عن الرئيس ترمب في لحظة رأى فيها الأخير نفسه ضحية “دولة عميقة” وقضاء مسيس. وهذا، وإن منح بلانش ثقة الرئيس، فإنه يضعف قدرته على إقناع خصوم الإدارة بأنه مستقل عنها. وهكذا تصبح قضية الولاء هي المحرك الأساسي لعمل وزارة العدل تحت قيادة بلانش.

تحديات بلانش وإصلاح ما كسرته السياسة

إن قدرة بلانش على معالجة أسباب سقوط بوندي تبدو محدودة. يمتلك بلانش خبرة قانونية لا يمكن إنكارها، ويعرف وزارة العدل من الداخل، لكنه وصل إلى المنصب مدفوعًا بموجة سياسية لا تشجع “الاستقلالية”. إذا فشلت بوندي لأنها لم تذهب بعيداً بما يكفي لإرضاء ترمب، فإن نجاح بلانش، في قاموس البيت الأبيض، قد يعني الذهاب أبعد لا التراجع.

في قضية كومي، سيُقاس نجاح بلانش بقدرته على تحويل الغضب السياسي إلى قضية قابلة للصمود أمام القضاء. وفي ملف إبستين، سيُقاس بقدرته على إقناع الرأي العام بأن الوزارة لا تخفي ما يجب كشفه. وفي ملفات خصوم ترمب، سيُقاس بمدى الفصل بين المساءلة القانونية والانتقام الرئاسي.

المؤشرات الأولية لا تمنح تود بلانش هامشًا كبيرًا. فوزارة العدل، التي يقودها الآن، لا تدخل مرحلة تهدئة، بل يُطلب منها أن تكون رأس الحربة في معركة سياسية داخلية. بلانش، مهما بلغت مهارته القانونية، لا يستطيع الهروب من أصل تعيينه: فهو محامي ترمب السابق، الذي صار حارس القانون الاتحادي، مما يحدد بوضوح قوته وضعفه معًا.