تشهد الصين صراعًا محتدمًا في سوق البث الرقمي، ليس فقط على المشتركين، بل على مستقبل الصناعة الثقافية بأكملها. في قلب هذه المعركة، تقف منصة «آي كيوي آي» (iQIYI)، التي يصفها البعض بـ«نتفليكس الصين»، وهي واحدة من أكبر منصات الترفيه الرقمي بالبلاد، بقاعدة مستخدمين نشطة تتجاوز 500 مليون شهريًا. أثارت المنصة جدلاً واسعًا مؤخرًا بإعلانها عن مشروع طموح يهدف إلى بناء قاعدة بيانات فنية تُدار بالذكاء الاصطناعي، ما أدى إلى ردود فعل غاضبة من المشاهدين والأوساط الفنية.
في 20 أبريل 2026، خلال مؤتمر «آي كيوي آي» في بكين، كشف الرئيس التنفيذي غونغ يو عن مشروع «قاعدة المواهب الفنية بالذكاء الاصطناعي». وصرح أن 117 فنانًا صينيًا وقعوا اتفاقيات تسمح للمنصة باستخدام بياناتهم الحيوية لإنشاء شخصيات رقمية يمكن توظيفها في أعمال درامية وسينمائية مولّدة بالكامل بالذكاء الاصطناعي، مما يقلل الحاجة إلى التصوير التقليدي. هذا الإعلان، المتزامن مع تراجع إيرادات المنصة في عام 2025 وصل إلى 27.29 مليار يوان (حوالي 4 مليارات دولار) وخسائر صافية بلغت 206 ملايين يوان، يثير تساؤلات حول مستقبل صناعة الترفيه.
الذكاء الاصطناعي يُحدث ثورة في صناعة الترفيه
تعاني «آي كيوي آي»، المدعومة من عملاق التكنولوجيا بايدو، من تحديات مالية، حيث سجلت تراجعًا في الإيرادات بنسبة 7% مقارنة بالعام السابق. يعتمد نموذج عمل المنصة على مزيج من الاشتراكات المدفوعة والإعلانات، مما يجعلها عرضة لتقلبات الإنفاق الإعلاني. في هذا السياق، يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي كوسيلة لتقليل التكاليف وتسريع عملية الإنتاج، وهو ما أكده الرئيس التنفيذي غونغ يو، مشيرًا إلى قلقه من استدامة النموذج الحالي مرتفع التكلفة وإيمانه بإمكانات الذكاء الاصطناعي في فتح آفاق إبداعية جديدة.
أثار إعلان غونغ يو أن التصوير قد يصبح قريبًا تراثًا ثقافيًا ينتمي إلى الماضي ردود فعل فورية وعنيفة على منصة «ويبو» الصينية. انتشر هاشتاغ «آي كيوي آي جنّت» بسرعة، مع تساؤلات من المستخدمين حول قيمة مشاهدة “أشخاص مزيفين” وما إذا كان الاعتماد على الذكاء الاصطناعي سيقلل من القيمة الفنية للأعمال.
تداعيات قانونية وتقنية وقلق المنظمين
سريعًا، نفى فنانون بارزون مثل تشانغ روييون أي صلة لهم بالمشروع. ردت «آي كيوي آي» بتوضيحات متتالية، مشيرة إلى أن المنصة لا ترخص صور الممثلين، بل تمكن صناع الأفلام من التواصل السريع عبر منصة “ناداو برو”، وأن كل لقطة تتطلب موافقة الفنانين. أكدت المنصة أن الانضمام للقاعدة يعني فقط الاستعداد لمناقشة مشاريع محتملة وليس ترخيصًا مسبقًا.
حذر لي تشِنوو، محامٍ من مكتب «شانغهاي ستار لو فيرم»، من المخاطر التقنية الكبيرة مثل تسريب البيانات والتدريب الثانوي غير المصرح به، التي تنشأ بمجرد استخدام بيانات الفنانين لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي. تكمن هشاشة الوضع القانوني في عدم حسم التشريعات الصينية بعد لمسائل ملكية الصورة الرقمية واستنساخها عبر الذكاء الاصطناعي.
يتماشى هذا الجدل مع توجهات تنظيمية صينية أوسع نطاقًا. في 3 أبريل 2026، نشرت الإدارة الصينية للفضاء الإلكتروني مسودة قواعد تتضمن اشتراطات صارمة للموافقة المسبقة عند استخدام السمات الحيوية وحظر التحايل على أنظمة المصادقة البيومترية. كما دخل معيار وضع علامات إلزامية على المحتوى المولّد بالذكاء الاصطناعي حيز التنفيذ في 1 سبتمبر 2025.
تأثير عالمي وسؤال حول مستقبل الإبداع البشري
هذا الجدل في الصين ليس حدثًا معزولًا، بل يعكس منطقًا يجتاح صناعة الترفيه العالمية. تستثمر المنصات الكبرى في الولايات المتحدة، مثل نتفليكس وأمازون، بكثافة في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي للإنتاج وتوليد المحتوى. فنتفليكس تعتزم إنفاق حوالي 20 مليار دولار على المحتوى في عام 2026 بالاستعانة بالذكاء الاصطناعي، بينما توظفه أمازون في الرسوم المتحركة والدبلجة.
ومع ذلك، تسير المنصات الغربية بحذر أكبر، حيث يمثل استنساخ الممثلين بالكامل “خطًا أحمر” بسبب عقود نقابة “ساغ-آفترا” المهنية. على النقيض، يبدو النموذج الصيني أكثر جرأة وأقل تقييدًا، مما يضع «آي كيوي آي» في موقع الرائد الاضطراري لمسار قد تتبعه منصات عالمية أخرى في غضون سنوات قليلة. يثير هذا التطور تساؤلات حول ما إذا كان النجاح المستقبلي يكمن في تقليل التكاليف أم في الحفاظ على الرابط الإنساني بين العمل الفني وجمهوره، في ظل تصاعد الاعتماد على الذكاء الاصطناعي.


























