أرز لبنان الذي تغنى به الشعراء وباعه التجار

لطالما حظيت شجرة الأرز بمكانة مرموقة عبر التاريخ، من الملاحم القديمة إلى الكتب المقدسة وقصائد الشعراء. يعتبر الأرز اللبناني رمزًا للصمود والجمال، وقد استخدمه الفراعنة في التحنيط والفينيقيون في بناء سفنهم، كما ورد ذكره في العهد القديم أكثر من سبعين مرة، مما يؤكد أهميته الثقافية والتاريخية.

في ملحمة جلجامش، بنى البطل السومري بيوت أوروك من خشب أرز لبنان، متحديًا الكائن المرعب “خومبابا”. كما طلب الملك سليمان من حيرام ملك صور خشب الأرز لبناء الهيكل، وأمر قورش ملك فارس بجلب أرز لبنان إلى بحر يافا لبناء المعابد. هذه الارتباطات التاريخية تبرز القيمة الاستثنائية لهذه الشجرة التي تجاوزت حدود لبنان الجغرافية.

رمزية الأرز اللبناني في الثقافة والتاريخ

لم تقتصر دلالة شجرة الأرز على الجمال والقوة فقط، بل أحيانًا كانت رمزًا للصلف والتشامخ، كما جاء في المزمور السابع والثلاثين الذي يصف الشرير بأنه “متعالياً مثل أرز لبنان”، وما ورد في سفر حزقيال عن فرعون الذي شبه بأرز لبنان الشامخ الذي يتعرض للكسر بسبب كبره. هذه التفسيرات المتباينة تعكس ثراء الرمزية المحيطة بهذه الشجرة.

في سياق آخر، ورد ذكر الأرز في المزمور التاسع والعشرين كرمز للمنعة التي يمكن أن تكسرها قوة الرب، مشبهًا لبنان الذي “يقفز كالعجل” وحرمون “كولد الثور الوحشي”. هذه الرمزية الدينية قد تكون استخدمت في التهديدات الحديثة، كما حدث عندما هدد وزير الدفاع الإسرائيلي بإحراق لبنان وأرزه.

بالنسبة للبنانيين، شكلت شجرة الأرز رمزًا للوحدة الوطنية والشموخ. لم يترددوا في جعلها تتوسط علم الكيان الناشئ، ليمثل لونها الأخضر الخصب والنماء، مضافًا إلى بياض الثلوج والقلوب، واحمرار دماء الشهداء. هذا التوافق حول رمزية الأرز جعله جزءًا لا يتجزأ من الهوية اللبنانية.

الأرز في الشعر اللبناني: من الغزل إلى التجارة

تغنى الشعراء اللبنانيون بشجرة الأرز، فرأوا فيها دليلًا على فرادة لبنان. رشيد نخلة، مؤلف النشيد الوطني اللبناني، جعل الأرز جزءًا من النشيد بقوله: “اسمه عزه، منذ كان الجدود، مجده أرزه، رمزه للخلود”. كما عبر شعراء آخرون مثل داود عمون عن رغبتهم في أن يكون خشب الأرز نعشًا لهم بعد الموت، مما يعكس الارتباط العميق بهذه الشجرة.

شغل الأرز اللبناني مكانة مركزية في أعمال “المدرسة اللبنانية في الأدب”، حيث خصها عشرات الشعراء والكتاب بالعديد من القصائد والمقطوعات. على الرغم من أن شبلي الملاط لُقب بـ”شاعر الأرز”، فإن سعيد عقل كان من أبرز الشعراء الذين احتفوا بالأرز ولبنان، ومن أشهر أبياته: “أهلي، ويغلون، يغدو الموت لعبتهم إذا تطلّع صوب السفح عقْبانُ / من حفنةٍ وشذى أرزٍ كفايتهمْ زنودهم، إن تَقلَّ الأرضُ، أوطانُ”.

على النقيض من هذا الغزل التقليدي، قدم المفكر أمين الريحاني مقاربة مغايرة في مقالته “الأرز” بعد زيارة لغابة بشري. عبر عن خيبة أمله من واقع الأرز بقوله: “كنت أتخيل الزمان مجسمًا في غابات الأرز، فرأيت الأرز مصغرًا في كف الزمان”. انتقد الريحاني أسلافه الذين ساهموا في تقزيم غابة الأرز، مستشهدًا باستخدام خشب الأرز في صناعة السفن الحربية التي غزت بها الفرس بلاد الإغريق.

لم يغفر الريحاني للفينيقيين تنازلهم عن خشب الأرز للأمم الأخرى لبناء المعابد والقصور، مقابل القليل من المال. وصدمه أنهم قدموا الخشب للإسكندر المقدوني لبناء الأسطول الذي أسقط مدنهم الساحلية. واختتم نصه المؤثر بالقول: “ولكنها التجارة يا بني، التجارة على الدوام، في كل زمان ومكان”، مما يسلط الضوء على دور التجارة في استنزاف هذه الموارد الثمينة.

تستمر شجرة الأرز في تمثيل جزء أساسي من التراث اللبناني، ومع التحديات الحديثة التي تواجه هذه الغابات التاريخية، يبقى سؤال الحفاظ عليها ونقل رمزيتها للأجيال القادمة محور الاهتمام. الجهود المبذولة لحماية هذه الأشجار النادرة ستحدد مستقبل هذا الرمز الوطني.