يواجه المشهد الإعلامي الأوروبي تحديات متزايدة تهدد استقلاليته وصدقية المعلومات التي يقدمها، مما دفع الاتحاد الأوروبي لتبني خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية. تستهدف هذه الخطة التي دخلت حيز التنفيذ في مطلع العام الحالي، مواجهة التدخلات الخارجية وتعزيز الشفافية، بالنظر إلى الدور المتنامي للحروب الهجينة والتلاعب بالمعلومات عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي.
لطالما تمتع الإعلام الأوروبي بحرية واستقلالية واسعة، مدعومًا بتشريعات تحمي حرية الرأي والتعبير وحقوق الصحفيين. إلا أن السنوات الأخيرة شهدت استغلال التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي لتقويض “المشروع الأوروبي” أو التأثير على مساره السياسي والاجتماعي.
خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية: مواجهة التدخل الرقمي
تشير دراسات متعددة أجرتها أجهزة الاتحاد الأوروبي ومؤسسات خاصة إلى تعرض معظم الدول الأوروبية لاختراقات ممنهجة تستهدف نشر معلومات كاذبة وأخبار مزيفة. تهدف هذه الاختراقات إلى التلاعب بنتائج الانتخابات، والتحريض على الاضطرابات، وزعزعة الأمن والاستقرار داخل الاتحاد الأوروبي.
تؤكد الدراسات أن روسيا، بمؤسساتها وأجهزتها الاستخباراتية، تقف وراء جزء كبير من هذه التدخلات. كما تنشط منظمات وهيئات أميركية خاصة، تدور في فلك “المحافظين الجدد”، عبر تمويل مؤسسات إعلامية ومنصات رقمية بطرق مموهة.
أحدثت التطورات الاجتماعية والسياسية المتسارعة، خاصة بعد الحرب في أوكرانيا وغزة، تغييرًا ملحوظًا في نمط استهلاك المعلومات. كما ساهمت “ظاهرة ترامب” وحضوره الإعلامي الطاغي على المنصات الرقمية في هذا التغيير، من خلال تصريحاته اليومية المثيرة للجدل حول قضايا أمنية وسياسية واقتصادية.
تحديات وصعود التطرف في المشهد الإعلامي الأوروبي
أدت هذه التدخلات إلى تفاقم المخاطر، بما في ذلك صعود الأحزاب والقوى اليمينية المتطرفة، ومواقف تيارات سياسية معادية للاتحاد الأوروبي. استجابة لهذه التحديات، شرع الاتحاد الأوروبي في وضع خطة شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية وتأمينها.
تهدف الخطة إلى تعزيز شفافية مصادر تمويل وسائل الإعلام وضمان صدقية المعلومات والأخبار المنشورة. دخلت الخطة حيز التنفيذ تحت إشراف النائبة الأولى لرئيسة البرلمان الأوروبي الألمانية سابين فيرهيين، المسؤولة عن مراقبة تطبيق “القانون الأوروبي لضمان حرية وسائل الإعلام”.
عبرت فيرهيين عن خيبة أملها إزاء الحجج التي ساقتها بعض القوى السياسية الرافضة، متجاهلة المخاطر التي تواجه المنظومة الإعلامية الأوروبية. كما انتقدت تعتيم المنصات الرقمية على بعض الأخبار التي لا تصب في مصلحة القوى السياسية التي تقف وراءها.
أكدت رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين أن الهدف من هذا القانون، وهو الأول من نوعه في الاتحاد الأوروبي، هو الدفاع عن مهنة الصحافة وتعددية وسائل الإعلام. ويسعى القانون لتمكين المواطنين الأوروبيين من اتخاذ قراراتهم بناءً على حقائق موضوعية.
أحكام القانون الجديد وآثارها
يتضمن القانون الجديد عدة مستجدات تشريعية تسري على جميع الدول الأعضاء منها تعزيز حماية وسائل الإعلام من التدخلات الخارجية، وإلزامها بالشفافية الكاملة حول ملكيتها الفعلية ومداخيلها الإعلانية. كذلك، يفرض رقابة صارمة على المنصات الرقمية الكبرى في تعاملها مع المحتوى الإعلامي.
بالإضافة إلى ذلك، يحمي القانون مهنة الصحافة من التهديدات الخارجية التي تؤثر على استقلاليتها، ويتابع أداء وسائل الإعلام الرسمية في تغطيتها لأنشطة السلطة السياسية. كما يحظر التجسس على الصحفيين وعائلاتهم ويحمي مصادرهم.
لقي القانون اعتراضًا شديدًا من بعض الدول الأعضاء مثل المجر وجمهورية التشيك، مدعومة من الأحزاب اليمينية المتطرفة في إيطاليا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا. تتهم هذه القوى “الصحافة التقليدية” بالكذب والتحيز، وتدافع عن المنصات الرقمية كمصدر موثوق للأخبار.
يرى كارلوس آغيلار، رئيس اللجنة الأوروبية للخدمات الإعلامية، أن هذا القانون يمثل طوق نجاة لوسائل الإعلام التي تعاني ماليًا وتجد صعوبة في الاستمرار. كما أشار إلى تراجع المناظرات السياسية والفكرية في الإعلام التقليدي مقابل تزايد الاعتماد على المنصات الرقمية التي تروج للمعلومات المجهزة بعناية دون إتاحة للنقاش.
مخاطر الإدمان على المحتوى الرقمي ومستقبل الإعلام
يحذر آغيلار من الخطورة الأساسية للمنصات الرقمية المتمثلة في الإدمان على محتوياتها التي تولدها خوارزميات متطورة. يمثل هذا التحدي أحد محاور الجدل بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة، حيث تضغط الأخيرة لمنع الاتحاد من إخضاع المنصات الرقمية لضوابطه.
تعتبر دول الشمال الأوروبي، مثل السويد وفنلندا والدنمارك، من أشد المدافعين عن القانون الجديد. حذرت هذه الدول من التأثير المتزايد للمنصات الرقمية على الرأي العام ونتائج الانتخابات. لاحظ بيتر يورغنسن، عضو البرلمان الأوروبي، كيف ساهمت المنصات الرقمية في نجاح حملات انتخابية حظيت بتغطية إعلامية تقليدية سلبية.
من أهم المستجدات في القانون “سجل الشفافية”، الذي يلزم جميع وسائل الإعلام والمنصات الرقمية بالكشف عن هوية مالكيها ومداخيلها الإعلانية، مع فرض عقوبات حال التخلف أو التلاعب. كما يستحدث القانون منصة “تشات يوروب” (Chat Europe) و”تشات بوت” (chatbot) مدعومًا بالذكاء الاصطناعي لتقديم الأخبار وتفسير الأحداث الأوروبية.



























