بول أندرسن… أفلامه ساهمت في الحفاظ على «السينما الكبيرة»

شاشة الناقد: ثلاثة أفلام عن ثلاثة آمال عرضها مهرجان برلين الأخير

عرض مهرجان برلين السينمائي في دورته الأخيرة ثلاثة أفلام تحمل عناوين بارزة، وتتناول قصصًا إنسانية عن الأمل في مواجهة الصعاب. الأفلام الثلاثة، وهي “لمن يجرؤ”، “آثار”، و”حول الفردوس”، تسلط الضوء على تجارب شخصية عميقة وتعكس قضايا اجتماعية وسياسية معاصرة، مقدمةً رؤى متنوعة عن صراع الإنسان مع الهوية، الاستقرار، والأحلام.

فيلم “لمن يجرؤ” للمخرجة دانيال عربيد، ينسج قصة حب مؤثرة تتجاوز الفوارق العمرية والثقافية، ليواجه المجتمع اللبناني بكل تحدياته. أما “آثار” لأليسا كوڤالنكو ومرسيا نيكيوك، فهو فيلم وثائقي مؤثر يكشف عن تجارب نساء أوكرانيات واجهن العنف، مقدمًا شهاداتهن كصوة قوية للأمل في التعافي. وأخيرًا، “حول الفردوس” ليوليا لوكشينا، يغوص في تاريخ المحاولات الأوروبية لتأسيس مجتمعات مثالية، مستعرضًا أوهام البدايات وواقع المنتصف.

“لمن يجرؤ”: تحدي الطبقية والعنصرية في بيروت

يُقدم فيلم “لمن يجرؤ” (Only Rebels Win) للمخرجة دانيال عربيد قصة حب بين سوزان، أرملة فلسطينية الأصل تبلغ 63 عامًا، وعثمان، عامل سوداني شاب يبلغ 27 عامًا. على الرغم من الرابط العاطفي والجسدي القوي الذي ينشأ بينهما، ورغبة عثمان في الاستقرار واستعادة سوزان لأملها في الحب، فإن علاقتهما تواجه رفضًا مجتمعيًا عنيفًا في بيروت. يبرز الفيلم بوضوح التحديات العنصرية والطبقيه التي تعاني منها الأقليات في المجتمع اللبناني، حيث تصبح سوزان عرضة للانتقادات والمواجهات بسبب علاقتها.

تُظهر عربيد، بخبرة واضحة، مواقف عنصرية يعاني منها الفلسطينيون والسوريون وغيرهم، مما يجعل من مسألة علاقة سوزان بعثمان نقطة اشتعال. بينما تقدم معظم الشخصيات عمقًا واقعيًا، يظل عثمان، بحسب النقد، أقرب إلى فكرة منه إلى تجسيد حقيقي. يعاني الفيلم من بعض الضعف في الربط بين المشاهد، لكن فحواه الاجتماعي العميق يعتبر أبرز ما يقدمه.

“آثار”: شهادات موجعة عن العنف والأمل

في “آثار” (TRACES)، تشارك المخرجة الأوكرانية أليسا كوڤالنكو تجربتها الشخصية المؤلمة حيث تعرضت للاغتصاب والعنف خلال احتلال دونباس عام 2014. يتشارك الفيلم، بالتعاون مع مرسيا نيكيوك، شهادات ست نساء أخريات عانين تجارب مماثلة، وكيف قررت كوڤالنكو تأسيس جمعية لدعمهن.

يعتمد الفيلم بشكل كبير على المقابلات، ويُعرّف عن نفسه بأنه عمل وثائقي يسجل المعاناة. على الرغم من القيمة الإنسانية الهائلة لكل قصة، فإن القيمة الفنية للفيلم محدودة، وتتجاوز التسجيل الجيد للشهادات. تبرز معالجة الصوت واستخدام الإضاءة الخافتة لخلق أجواء مؤثرة، وتُعد المساحات الصامتة من نقاط القوة التي تسمح للمشاعر بالسريان.

“حول الفردوس”: ما وراء أحلام المجتمعات المثالية

يتناول فيلم “حول الفردوس” (AROUND PARADISE) للمخرجة يوليا لوكشينا، فكرة تأسيس مجتمعات مثالية في باراغواي في أواخر القرن التاسع عشر. يسلط الفيلم الضوء على محاولات إليزابيث فورستر نيتشه، شقيقة الفيلسوف، ورجل أعمال ألماني، لبناء “عالم جديد” ينأى عن تقاليد العالم القديم.

يكشف الفيلم عن القلق العنصري والطبقي الذي كان سائدًا لدى الأوروبيين حينها، ورغبتهم في إنشاء مجتمعات “نقية” عرقيًا. كما يبرز الشكوك التي بدأت تراود المستثمرين مع الوقت، ليكتشفوا أن المشروع أقرب إلى الوهم. نجحت لوكشينا في كسب ثقة المشاركين لتكشف عن هواجس الخوف من العالم الخارجي، وتقدم تحليلًا اجتماعيًا وسياسيًا لأحلام التفوق والتأسيس.

ماذا بعد؟
تستمر الأفلام التي تعرض في المهرجانات السينمائية الكبرى مثل برلين في جذب الانتباه النقدي والجمهوري، مقدمةً فرصًا لمناقشة أبرز القضايا الإنسانية والاجتماعية. يبقى السؤال عن التأثير الحقيقي لهذه الأعمال على صناعة السينما والوعي المجتمعي، وكيف ستستمر هذه القصص في التطور والوصول إلى جمهور أوسع في ظل التحديات الإنتاجية والتوزيعية.