في ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها القارة العجوز، تتصاعد أصوات غربية تتنبأ بـ”أفول أوروبا”، حيث يقف العالم أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة. يبرز المهاجر، في هذا السياق المعقد، كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا وأزمة بنيوية متأصلة فيها.
المهاجر كمرآة لتناقضات أوروبا
تتصاعد أصوات غربية تحذر من “أفول أوروبا” وسط تحولات جيوسياسية متسارعة، وتشير إلى تصدع أسس الدولة القومية الحديثة. تظهر أحياء بأكملها في مدن كبرى مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام كبؤر تعكس أزمة هوية وجودية أوروبية، ويقف المهاجر كمرآة كاشفة لهذه التناقضات.
يرى النقاد أن أزمة القارة الحالية تعود إلى فشل المهاجرين المسلمين في الاندماج، لكن قراءة أعمق تشير إلى انهيار النموذج الأوروبي نفسه وقصوره في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية وتاريخه الاستعماري.
تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية معقدة، حيث يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ “آخر” على مركزية استعلائية متجذرة. يشير إدوارد سعيد في دراساته الاستشراقية إلى كيف تسهم هذه النظرة الدونية في إقصاء المهاجر وجعله “كبش فداء” لتبرير الإخفاقات الهيكلية.
يرتبط هذا الاستعلاء المعرفي بالإرث الكولونيالي، حيث بنيت الرفاهية الأوروبية على استغلال مقدرات المستعمرات، وتستمر هذه الديناميكية بأشكال مستحدثة اليوم. يتجلى هذا الاستغلال داخلياً عبر تهميش اقتصادي ومكاني للمهاجرين الذين استُقدموا كأيدٍ عاملة رخيصة، ليجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية، مما يعكس تفاوتاً طبقياً يعارض وعود المساواة.
في ظل هذه الهشاشة، تتشكل حالة من القلق الأنطولوجي، والذي وصفه زيغمونت باومان بـ “سيولة المخاوف”. مع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية، يصبح “الغرباء” تجسيداً مادياً لهواجس المواطن الأوروبي تجاه فقدان استقراره وهويته، ويتحول المهاجر إلى شاشة تعرض عليها أوروبا مخاوفها.
تعد فرنسا مسرحاً لهذه التحولات، حيث سجلت السلطات ارتفاعاً في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي. تشير إحصاءات حديثة إلى تفضيل نسبة كبيرة من مسلمي فرنسا لقواعد الدين الإسلامي على قوانين الجمهورية، خاصة بين الشباب. تجسد الأحداث في معاهد أكاديمية مرموقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس هذا التصدع، حيث تحولت ساحات التعليم إلى ميادين صراع.
في بروكسل، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حي مولينبيك في بروكسل يقدم نموذجاً لتعثر سياسات الدمج وافتقار الدولة لرؤية استراتيجية واضحة، مما سمح لتيارات التشدد الديني باستغلال الفراغ لإنشاء شبكات استقطاب.
في برمنغهام، تكررت المشاهد نفسها مع تراجع الصناعة وفقدان الوظائف. دفعت الظروف المعيشية المتدهورة إلى تشكل مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية. يظهر ذلك في وجود 85 محكمة دينية نشطة في بريطانيا تفصل في قضايا الأحوال الشخصية.
يُصر الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التدهور، متجاهلاً شيخوخة السردية الأوروبية وعجزها عن استيعاب التحولات الديموغرافية. تكشف السياسات الأوروبية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.
يحذر جورجيو أغامبين من سياسات “حال الاستثناء” التي تبرر تجاوزات قانونية بحق المهاجرين، بينما ربما يمثل “أفول أوروبا” انهياراً لواجهة لطالما اختبأت خلفها القارة. الهجرة ظاهرة إنسانية طبيعية، وتحويلها مشكلة أمنية يعكس هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية.
تتخطى الأزمة الحالية مسألة اندماج المهاجرين لتلامس صلب المشروع الأوروبي. إن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على “الآخر” سيسرع من التفككات المجتمعية. سيظل المهاجر مرآة صادقة تعكس الوجه الأوروبي الحقيقي. يتطلب تجاوز هذه المحنة اجتراح سردية بديلة تواجه أخطاء الماضي بجرأة وتؤسس لعقد اجتماعي جديد يحتضن التنوع والمواطنة الفاعلة.
يبقى التساؤل حول قدرة أوروبا على مراجعة سرديتها التاريخية والتعامل مع التناقضات الداخلية، ومدى استعدادها لبناء مشروع مجتمعي جديد يحتضن التنوع، مؤجلاً في ظل استمرار التوترات الجيوسياسية والاجتماعية.


























