العراق… تشوه اقتصاديات الثقافة

يعاني العراق من تشوه عميق في اقتصاديات الثقافة، مما يعكس تحديات اقتصادية وسياسية متجذرة تعود إلى ما بعد عام 2003، وتفاقمت بسبب الاعتماد على الاقتصاد الريعي. هذا التشوه يعيق التنمية الشاملة ويحد من قدرة البلاد على بناء اقتصاد حديث ومستدام يعتمد على المعرفة والابتكار.

يتجلى هذا التشوه في ضعف القطاعات الإنتاجية التقليدية، وصعود اقتصاديات طفيلية غير خاضعة للرقابة، وغياب دعم واضح للاستثمار الثقافي، مما يؤدي إلى تضخم ظواهر الاستهلاك غير المنتج وتعميق الانقسامات الطبقية.

تشوه اقتصاديات الثقافة في العراق: أسباب وتداعيات

تشير التحليلات إلى أن الصدمة الأمريكية عام 2001، وما تبعها من انهيار للاقتصادات التقليدية وبروز الشركات العابرة للقارات، قد أثرت بشكل كبير على المشهد الاقتصادي العالمي، ومثلت مقدمة لما شهده العراق بعد عام 2003. فبعد سقوط النظام السابق، تقوضت سرديات الدولة الكبرى واقتصاد القطاع العام، وانهارت الأيديولوجيات القديمة، لتصعد في المقابل “سرديات صغيرة” وأيديولوجيات ضبابية مرتبطة بالجماعة والطائفة والهوية.

هذه التحولات أدت إلى صعود قوى اقتصادية غير واضحة المعالم، اتسمت بنزعات شعبوية وعنف واستحواذ، وغذت رؤوس أموال صغيرة عشوائية في ظل واقع اقتصادي وسياسي طفيلي وملتبس. لم تتمكن “الدولة الجديدة” من بناء قوة اقتصادية فاعلة، ذات برامج ومشاريع واضحة، ورؤية لمفاهيم الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية.

تسللت هذه الرساميل الطفيلية إلى منظومات السلطة الرسمية، وأثرت في نظامها الاقتصادي والأمني، مما ساهم في تغيير كثير من سياسات الدولة ومسارات اقتصادها الهش. هذا الوضع أدى إلى صناعة اقتصادات طارئة، وعطل عجلة برامج التنمية البشرية والثقافية والمستدامة، وشوه الجهاز الإداري للدولة بتضخم وترهل بنيوي.

أسهم استبدال السرديات القديمة بأشكال هجينة من تلك السرديات الصغيرة في ظهور مظاهر عنف واضطراب في تمثيل مفاهيم الدولة والديمقراطية والحرية والعدالة والهوية والقانون. أصبح الاجتماع السياسي مخترقًا، وفقد تمثيله الوطني مقابل تحول بعض الجماعات إلى قوى فاعلة لا يجمعها سوى مصالح الاستملاك ونزعات الاستهلاك الكبيرة.

ارتبط وجود هذه القوى بتشييد مظاهر إدامة الاستهلاك من خلال مؤسسات أهلية عائمة (مستشفيات، جامعات، مدارس، مولات، شركات، نوادٍ) غير خاضعة لرقابة الدولة ولا ترتبط بالحاجات التنموية، بقدر ارتباطها بهيمنة أنماط معينة. هذا مهد الطريق لتضخم قوة هذه المؤسسات وتحويل علاماتها التجارية إلى علامات رمزية في صناعة “المجتمع الظل” الذي يتغذى من الفساد الكبير وتمثيلات الإشباع الرمزي، ويستخدم العنف الاقتصادي لترسيخ نفوذه.

تاريخ الاقتصاد الريعي وتأثيره على الثقافة

تاريخ العراق مع الاقتصاد الريعي يرتبط بتاريخ التشوهات الأيديولوجية للدولة العراقية منذ قرار تأميم “الصناعة العراقية” عام 1964. مع صعود الدولة القومية ونموذج حكمها الديكتاتوري، تحول هذا الاقتصاد إلى مظاهر للهيمنة والخضوع لسياسات الدولة المركزية، مما عطل أي ممارسات للاقتصاد الحر وفاعليات الاستثمار.

ساهم التلازم بين الدولة القومية المركزية والاستحواذ المركزي على الإنتاج في تأطير أشكال معقدة للهيمنة، وصناعة نوع من رأسمالية الدولة المحكومة بمركزية النموذج الأيديولوجي للخطاب القومي. كانت قطاعات التعليم والصحة والتجارة والثقافة تخضع للسيطرة المركزية، مما يحد من ديناميكيتها وتطورها.

بعد الاحتلال الأمريكي، تقوضت هذه المركزية الديكتاتورية وتدهورت السياسات المنظمة، مما حول البيئة السياسية والاقتصادية العراقية إلى مجال للتشرذم. أصبحت الدولة “مصرفًا” بعد انهيار القطاعات التقليدية، وبرز “الاقتصاد الاستيرادي” السهل كبديل، لكنه كان مشوهًا واغترب عن استحقاقات التنمية والبناء، وتم إدارته من قبل جماعات هامشية مرتبطة بالجهاز السياسي.

كرس صعود “الزبائنية” الهشة بنية الاقتصاد العراقي غير المستقرة، وجعل أكثر من ثلثي الموازنة العامة يذهب إلى “الموازنة التشغيلية” لتغطية المعاشات وتغذية الطفيلية في القطاع العام. في المقابل، عانيت “الموازنة الاستثمارية” من تعطيل واضح، مما أثر على برامج التنمية وتوسيع الإنتاج المحلي، لا سيما في مجالات الاستثمارات التكنولوجية والبشرية والمعرفية.

التوصيف الثقافي للاقتصاد ومستقبل العراق

إن اقتصاديات الثقافة في العراق ليست مجرد اهتمام بالصناعات الثقافية، بل هي علاقة عميقة بين هذه الصناعة وفاعليتها الإجرائية والأطر التشغيلية والاستراتيجية التي تجعل من الثقافة عنصراً بارزاً وفاعلاً في الأمن الثقافي وبرامج التنمية. إنها تعني دعم برامج الموازنات العامة الخاصة بالمشاريع الثقافية، وكونها مصدراً فاعلاً لإسناد مشروع الدولة الناجحة وتوسيع مساحات إنتاج مصادر المعرفة.

لتحقيق ذلك، يجب إدامة فاعليات الاجتماع والثقافة والاقتصاد عبر أطر تشريعية وقانونية تضمن الحقوق، بما فيها حقوق الملكية الفكرية، وإنشاء الصناديق السيادية لدعم العمل الثقافي، ودمج الثقافة بالنظام التعليمي والتنموي. ينبغي أن يكون هذا الدعم مستقلاً عن مزاج السلطة وفهمها الأيديولوجي للثقافة.

غياب الوعي بأهمية التخطيط الاقتصادي وإخضاع الاقتصادات لسياسات الدولة وحرية الاستثمار، إضافة إلى غياب الجدية العلمية في توظيف الثروات، يفقد الدولة مشروعيتها وقدرتها على إدارة الشأن العام وتحقيق العدالة الاجتماعية. إن التوصيف الثقافي للاقتصاد يسهم في توطيد أركان بناء الدولة الحديثة ويمنح اقتصاديات الثقافة أدواراً مهمة في تثبيت “القيم السيادية” للاستقرار والأمن والإشباع، ومواجهة الأزمات والتحديات العالمية.

يتطلب إصلاح تشوه الاقتصاد في العراق جهوداً شاملة لإعادة بناء القطاعات الإنتاجية، ودعم الاستثمار الثقافي، وتفعيل دور المؤسسات الرقابية، لضمان أن يكون الاقتصاد خادماً للتنمية المستدامة ومحققًا للعدالة الاجتماعية. مراقبة تفعيل القوانين الداعمة للثقافة والاقتصاد المعرفي ستكون مؤشراً حاسماً على جدية هذه الإصلاحات.