احتفى مهرجان «ڤيزيون دو ريل» السينمائي الوثائقي، الذي اختتم فعالياته في 26 أبريل (نيسان) الماضي، بانتقاء مميز لثلاثة أفلام تسجيلية بارزة، حازت إعجاب النقاد والجمهور على حد سواء. هذه الأفلام، وهي «أليا جاكارانداس» للمخرج حسن فرحاني، و«دنترو» للمخرجة إلسا أميل، و«من فجر لفجر» لكجيسي صوفيا يا تشن، تعكس تنوعًا وثراءً في الرؤى والأساليب الفنية، مقدمةً قصصًا إنسانية عميقة من الجزائر وإيطاليا وإسبانيا. وقد برز «ڤيزيون دو ريل» هذا العام كمنصة مهمة للأعمال الوثائقية التي تتناول جوانب معقدة من الوجود البشري.
مهرجان ڤيزيون دو ريل: نظرة على أبرز الأفلام الوثائقية الفائزة
في قلب هذا المهرجان المرموق، تألق فيلم «أليا جاكارانداس» للمخرج الجزائري حسن فرحاني، حاملًا جائزة لجنة التحكيم لأفضل فيلم. يأتي هذا التكريم بعد نجاح فرحاني الأكاديمي بفيلمه «143 شارع الصحراء»، مما يؤكد مكانته كواحد من أبرز المخرجين الوثائقيين. يتناول الفيلم الجديد سيرة والد المخرج أمزيان فرحاني، مستعرضًا ذكرياته وتأملاته في التغيرات التي طرأت على مدينة الجزائر، وشوارعها، وشجر الجاكارندا الذي كان يزينها. يقدم الفيلم صورة حميمية ومؤثرة للعلاقة بين الأب والمدينة، متجنبًا النقد اللاذع لصالح الحنين العميق.
«أليا جاكارانداس»: الأب، المدينة، والتاريخ
يتعمق فيلم «أليا جاكارانداس» في الذاكرة الشخصية لوالد المخرج، معتمدًا على شهاداته وآرائه بدلاً من الوثائق الرسمية، مما يمنح الفيلم أصالة وعمقًا عاطفيًا. ويبرز الفيلم هذا الترابط الشديد بين الأب والتاريخ، وكأن كليهما يروي قصة الآخر، مرورًا بتقلبات الزمن. وفي مفاجأة مؤثرة، يتلقى المشاهد خبر وفاة الأب عبر نشرة إخبارية قرب نهاية الفيلم، مما يضفي بعدًا إنسانيًا إضافيًا على هذه اللحظات. ورغم أن الفيلم ناطق بالفرنسية، مما قد يكون قرارًا تسويقيًا، فإنه قد أثار تساؤلات حول إمكانية أن يكون أكثر قربًا من جوهر الشخصيات لو صُور باللغة العربية، بما يعكس الهوية الثقافية الأصيلة.
«دنترو»: السجن كفضاء للخيال والحرية الفكرية
من إيطاليا، قدمت المخرجة إلسا أميل فيلمها «دنترو»، الذي يدور داخل أحد السجون بمقاطعة توسكانا. يركز الفيلم على المخرج والكاتب المسرحي أرمانو بونزو الذي يعمل مع السجناء لإنتاج عروض مسرحية. ويصور الفيلم كيف يستخدم بونزو المسرح كأداة لتحفيز الخيال، مؤكدًا على قدرة السجناء على تجاوز حدودهم الجسدية نحو فضاءات داخلية أوسع من خلال قوة الفكر والتعبير. كما يسلط «دنترو» الضوء على جهود بونزو لتحويل الواقع المحدود، متحدثًا إلى نفسه، وممارسًا الفكر والإبداع الذي كان يمكنه القيام به خارج أسوار السجن، ليقدم رؤية ملهمة حول تجاوز القيود الجسدية بالنتاج الفني.
«من فجر لفجر»: حكايات الأجيال المهاجرة في برشلونة
الفيلم الفائز بالذهبية في «ڤيزيون دو ريل»، «من فجر لفجر» للمخرجة كجيسي صوفيا يا تشن، يقدم قصة شقيقها، أ. ون، أحد أبناء الجيل الثاني من المهاجرين الصينيين في برشلونة. لا تسعى المخرجة إلى التعاطف أو النقد، بل تركز على عرض قصة شقيقها الذي طمح لتحقيق حلمه في حياة محفوفة بالمخاطر، انخرط في عالم العصابات وأدار نادٍ للقمار، قبل أن يدخل السجن ويفتتح مطعمًا لاحقًا. الفيلم يتميز بأسلوبه غير التقليدي في السرد، حيث تمنح المخرجة كل شخصية مساحة كافية لتقديم نفسها من خلال حوارات مطولة، حتى وإن كان ذلك على حساب الإيقاع العام للفيلم. يعكس هذا العمل معايشة المهاجرين الأوائل والجدد مع الحفاظ على موقف حيادي وعاطفي.
يعكس التنوع في هذه الأفلام التوجهات الفنية المعاصرة في السينما الوثائقية، التي تسعى لاستكشاف القضايا الإنسانية المعقدة بأساليب مبتكرة. وبينما تستمر هذه الأفلام في جولاتها بالمهرجانات العالمية، من المتوقع أن تثير مناقشات أعمق حول مواضيع الهوية، الحرية، والتاريخ الشخصي في السياقات المعاصرة، لتشكل امتداداً للنقاشات التي أثارها مهرجان ڤيزيون دو ريل.



























