كشفت دراسة حديثة عن تحديات جديدة في مكافحة السمنة، مشيرة إلى أن “الذاكرة الشحمية” قد تكون السبب وراء الانتكاسات المتكررة بعد فقدان الوزن. هذه الظاهرة، التي تتجاوز مفهوم الإرادة، تزيد من صعوبة الحفاظ على وزن صحي بعد جهود مضنية، مما يلقي الضوء على ضرورة فهم أعمق للآليات البيولوجية الكامنة وراء استعادة الوزن المفقود.
أظهرت الدراسة، التي أجراها باحثون بريطانيون ونُشرت في 27 أبريل الماضي بمجلة “إيمبو ريبورتس” (EMBO Reports)، أن الخلايا الدهنية، وحتى بعض الخلايا المناعية، تحتفظ بـ”ذاكرة” للسمنة لفترة طويلة بعد انخفاض الوزن. هذه الذاكرة، التي لا تقتصر على الخلايا الدهنية، قد تزيد من خطر عودة السمنة والأمراض المرتبطة بها لمدة تصل إلى عشر سنوات. يشير الباحثون إلى أن هذا التأثير يعود إلى “مثيلة الحمض النووي”، وهي عملية بيولوجية تغير نشاط الجينات دون المساس بتسلسل الحمض النووي.
الذاكرة الشحمية: عقبة جديدة في معركة مكافحة السمنة
تعد السمنة اليوم تحديًا صحيًا عالميًا متزايدًا، مع توقعات تشير إلى نمو هائل في سوق إدارة علاج السمنة، حيث قد تتجاوز قيمته 100 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2030. وتتجاوز التكاليف العالمية المرتبطة بالسمنة، بما في ذلك الرعاية الصحية والخسائر الإنتاجية، 4 تريليونات دولار أمريكي بحلول عام 2035. تظهر هذه الأرقام مدى الأهمية الملحة لفهم الآليات البيولوجية للسمنة وتطوير استراتيجيات فعالة لمكافحتها.
تتمحور السمنة حول زيادة كتلة الشحوم في الجسم، وتحديدًا الخلايا الدهنية التي تشكل الأنسجة الشحمية. هذه الأنسجة، المنتشرة في جميع أنحاء الجسم (تحت الجلد، حول الأعضاء الداخلية، وحتى في نخاع العظم)، ليست مجرد مستودعات لتخزين الدهون، بل هي أنسجة ديناميكية تلعب أدوارًا حيوية في تنظيم صحة الجسم.
تتمتع الأنسجة الشحمية بقدرة على تخزين الدهون وإطلاقها كطاقة، بالإضافة إلى وظائف أخرى مثل العزل الحراري، وإنتاج الحرارة (خاصة الخلايا الدهنية البنية)، وحماية الأعضاء من الصدمات. كما تعمل هذه الأنسجة كعضو غدي رئيسي يفرز هرمونات مثل اللبتين (للتحكم في الشهية) والأديبونكتين (لتنظيم مستوى الجلوكوز).
فهم خصائص الخلايا الدهنية ودورها في استعادة الوزن
تتخصص الخلايا الدهنية في تخزين الطاقة على شكل دهون ثلاثية، حيث تشغل “القطرة الدهنية” ما يصل إلى 95% من حجم الخلية. يُعاد تدوير محتوى الدهون في هذه الخلايا ست مرات خلال دورة حياتها، مما يعني بقاء جزيئات الدهون في الخلية لمدة 18 شهرًا تقريبًا. الأفراد الأصغر سنًا والأكثر صحة يعيدون تدوير الدهون بشكل أسرع مقارنة بمرضى السكري أو كبار السن.
يمكن للخلايا الدهنية أن تتمدد بمقدار 3000 ضعف حجمها الطبيعي، مما يمكنها من تخزين أكثر من 100 ألف سعر حراري. ومع هذا التمدد، تحتاج الخلايا إلى كسر النسيج الضام المحيط بها، مما يؤدي إلى ترهل الجسم. إلا أن الحركة الكثيرة، مستقلة عن النظام الغذائي، يمكن أن تحفز نمو خلايا الكولاجين وتثبط نمو الخلايا الدهنية.
يبقى عدد الخلايا الدهنية لدى البالغين ثابتًا بشكل عام، حيث تعيش كل خلية لمدة 10 سنوات تقريبًا وتُستبدل بمعدل 10% سنويًا. بينما يتحدد العدد الإجمالي لهذه الخلايا في الطفولة والمراهقة، يمكن أن تتضخم الخلايا الموجودة أو تتكون خلايا دهنية جديدة في حالات السمنة المفرطة، أو حتى في مناطق تمت منها إزالة الشحوم بعملية شفط الدهون عند الإفراط في تناول الطعام وقلة الحركة.
النقطة الأكثر أهمية هي أن الخلايا الدهنية لا تختفي أبدًا؛ بل يتقلص حجمها عند فقدان الوزن، لكنها تبقى موجودة. هذا يفسر سهولة استعادة الوزن، حيث تظل الخلايا الدهنية “منتظرة” لتخزين أي سعرات حرارية زائدة مرة أخرى.
هناك ثلاثة أنواع رئيسية من الخلايا الدهنية: الخلايا الدهنية البنية التي تحرق الدهون لتوليد الحرارة، الخلايا الدهنية البيضاء الأكثر شيوعًا وتتفاعل مع الهرمونات، والخلايا الدهنية البيج/الفاتحة التي تتحول من البيضاء إلى بنية عند التعرض للبرد أو ممارسة الرياضة المكثفة.
تحدث عملية فقدان الدهون بشكل أساسي عبر تأكسد الدهون، حيث يتحرر 84% منها كثاني أكسيد الكربون عبر الرئتين و16% كماء. التنفس هو المفتاح، حيث يتم إخراج معظم الدهون مع الزفير. بينما يتقلص حجم الخلايا الدهنية عند حرق الدهون، لا يختفي عددها، مما يبرز أهمية الالتزام بنمط حياة صحي يتضمن نظامًا غذائيًا متوازنًا وممارسة منتظمة للرياضة لمنع استعادة الوزن في ظل وجود هذه “الذاكرة الشحمية”.
































