تُشير دراسة أمريكية حديثة إلى أن التقدم في العمر لا يعني حتمًا تدهورًا في القدرات البدنية والذهنية، بل يمكن أن يؤدي إلى تحسن في الصحة. هذا الاكتشاف يفتح آفاقًا جديدة لفهم الشيخوخة وتحدي المعتقدات السائدة حولها. فالمعادلة الشائعة التي تربط زيادة العمر بالتدهور قد لا تكون دقيقة بالكامل، وتُقدم هذه الدراسة منظورًا مختلفًا يعكس إمكانية الشيخوخة الصحية والنشطة.
نشرتْ الدراسة في عدد مارس الماضي من مجلة طب الشيخوخة Geriatrics، وجاءتْ بعنوان “إعادة تعريف الشيخوخة: تحسين القدرات المعرفية والبدنية من خلال تبني معتقدات إيجابية تجاه العمر”. هدفتْ الدراسة، التي أُجريت بواسطة كلية الطب بجامعة ييل، إلى استكشاف مدى إمكانية تحسن الوظائف المعرفية والبدنية لدى كبار السن بمرور الوقت، وتأثير المعتقدات الإيجابية حول الشيخوخة على هذا التحسن، مما يُعزز مفهوم الشيخوخة الصحية.
التقدم في العمر والمعتقدات الإيجابية: مفتاح الشيخوخة النشطة
يَفترض الكثيرون بشكل تلقائي أن التقدم في العمر يؤدي إلى تراجع الذاكرة وبطء الحركة وفقدان الاستقلالية. تُشير الإحصائيات إلى أن حوالي 80% من الناس يعتقدون أن التدهور المعرفي جزء طبيعي من الشيخوخة، مما يؤثر على نظرة المجتمع وكبار السن لأنفسهم. وقد أوضح الباحثون أن المراجعات العلمية غالبًا ما تصف الشيخوخة كعملية فقدان، وأن 65% من العاملين في الرعاية الصحية و80% من العامة يعتقدون خطأً أن جميع كبار السن يُصابون بالخرف.
لكن هذه الدراسة تُقدم أدلة قوية على أن بعض جوانب التدهور المرتبط بالشيخوخة قد تكون “أقل حتمية” مما كان يُعتقد سابقًا. تُشير النتائج إلى أن “القناعات الشخصية للفرد تجاه الشيخوخة” قد تؤثر على أدائه البدني والعقلي مع تقدمه في السن. يُعد فهم هذه التأثيرات أمرًا أساسيًا لتعزيز الشيخوخة الصحية في جميع أنحاء العالم.
وقد أشار الباحثون إلى أن دراستهم “بحثَت فيما إذا كانت نسبة كبيرة من كبار السن ستشهد تحسنًا في صحتهم عند التركيز على ما إذا كان هذا التحسن قد تحقق بالفعل، كما بحثت، ولأول مرة، فيما إذا كانت المعتقدات الإيجابية حول العمر تتنبأ بهذا التحسن المحتمل”. وتتوقع الدراسة أن المعتقدات الإيجابية ستؤدي إلى هذا التحسن، وفقًا لنظرية تجسيد الصور النمطية (SET)، التي تفترض أن الأفراد يستوعبون معتقدات إيجابية وسلبية حول العمر من مصادر بيئية، وأن هذه المعتقدات يمكن أن تُشكل مسار الصحة المعرفية والجسدية.
شارك في الدراسة أفراد من دراسة الصحة والتقاعد (HRS) في الولايات المتحدة، وهي دراسة طولية للبالغين الذين تبلغ أعمارهم 50 عامًا فأكثر. وقد تم تقييم الوظائف الإدراكية باستخدام المقابلة الهاتفية للحالة الإدراكية (TICS)، ووظائف المشي باستخدام سرعة المشي المقاسة. واستمرت متابعة المشاركين لمدة تصل إلى 12 عامًا، حيث تم قياس “الموقف تجاه الشيخوخة” باستخدام مقياس معنويات مركز فيلادلفيا لطب الشيخوخة، مع درجات أعلى تُشير إلى معتقدات أكثر إيجابية.
نتائج مثيرة: تحسن القدرات مع التقدم في العمر
كشفت النتائج أن التقدم في العمر لا يعني بالضرورة تدهور الصحة. فقد أظهر 45% من المشاركين تحسنًا في الإدراك أو سرعة المشي بمرور الوقت، مما يُشير إلى أن التغييرات الصحية الإيجابية ليست نادرة في مراحل العمر المتقدمة. تحسن الأداء الإدراكي لدى 32% من المشاركين، بينما تحسنت سرعة المشي لدى 28% منهم. تبرز هذه النتائج أن العديد من كبار السن يُحافظون على قدراتهم أو يُحسّنونها بدلاً من التدهور المستمر.
تُظهر هذه النتائج أن التحسن ممكن وشائع في مراحل لاحقة من العمر، وأن العوامل النفسية والثقافية، مثل المعتقدات السائدة حول الشيخوخة، قد تؤثر على كيفية تقدم الأفراد في العمر جسديًا ومعرفيًا. تُشير البيانات بوضوح إلى أن المعتقدات الإيجابية تجاه الشيخوخة ارتبطت باحتمالية أكبر للتحسن، مما يؤكد أن العقلية والمواقف الثقافية تجاه الشيخوخة قد تؤثر على المسارات الصحية في مراحل لاحقة من العمر، مما يُعزز مفهوم الشيخوخة الصحية.
لذا، فإن تعزيز المواقف الإيجابية تجاه التقدم في العمر يمكن أن يكون له آثار إيجابية على ممارسات الرعاية الصحية وسلوكيات الأفراد، بهدف دعم كبار السن في الحفاظ على صحتهم ووظائفهم أو تحسينها. تُعد هذه الدراسة خطوة مهمة نحو إعادة تعريف الشيخوخة كفترة للنمو والتطور، بدلاً من مجرد تدهور حتمي.
في المستقبل، يُتوقع أن تُركز الأبحاث على كيفية دمج هذه النتائج في البرامج الصحية والتدخلات المجتمعية التي تُعزز المعتقدات الإيجابية حول الشيخوخة. كما يُمكن أن تُسهم هذه الدراسة في تطوير استراتيجيات جديدة لدعم الشيخوخة الصحية والنشطة، مما يفتح الأبواب أمام فهم أعمق للعلاقة بين العقلية والصحة البدنية والمعرفية مع تقدم العمر.































