حرب إيران المستمرة في العراق… مشاهد لاكتمال نفوذ الفصائل

في خضم النزاع الأمريكي-الإيراني المستمر، يتكشف نفوذ الفصائل في العراق بشكل متزايد، وخصوصاً ضمن سياق ما يُعرف بـ”حرب إيران المستمرة في العراق”. هذه “الحرب” الأوسع، التي بلغت ذروتها بغارات طهران في فبراير 2026، كشفت عن تعقيد المشهد السياسي والأمني العراقي، مع تحركات مكثفة للفصائل المسلحة الموالية لإيران التي تبدو وكأنها تحتكر الفضاء العام وتسيطر على مفاصل الدولة.

الحرب أبرزت انقسامات وتوترات ضمن صفوف حلفاء طهران أنفسهم في بغداد، حيث بدت بعض الفصائل مستعدة لتصفية حسابات قديمة أو لبداية عهد جديد، ما يعكس ديناميكية متكررة منذ عام 2003. وفي ظل هذه الأحداث، كان المسؤولون العراقيون منهمكين في اجتماعات “طارئة” وسط مخاوف من “إنذار محتمل”، مما يشير إلى مدى هشاشة الوضع.

تُظهر الأحداث الأخيرة في بغداد انقساماً واضحاً بين حلفاء طهران. ففي الوقت الذي أقامت فيه حركة “عصائب أهل الحق” مجلس عزاء هادئ للمرشد الإيراني علي خامنئي قرب جسر الجمهورية، كانت هناك احتجاجات صاخبة وعنيفة عند الجسر المعلق المؤدي إلى السفارة الأمريكية. هذه الاحتجاجات التي شملت إلقاء الحجارة وإطلاق الرصاص الحي وقنابل الغاز، عكست رغبة عميقة لدى بعض المتظاهرين في الانتقام “لولينا”.

هذا التناقض في ردود الفعل يشير إلى طبقات متعددة من الولاءات والمصالح داخل الفصائل الشيعية العراقية. فبينما تحاول بعض هذه الفصائل الظهور بمظهر الملتزم بالدولة، فإن مجموعات أخرى، تحت مظلة “المقاومة الإسلامية في العراق”، شنت عشرات الهجمات ضد أهداف أمريكية، مما يسلط الضوء على استمرار النفوذ الإيراني الخفي.

تكشف الأحداث كيف تدير إيران، من خلال “الحرس الثوري”، هذه الشبكة المعقدة من الفصائل المسلحة. النفوذ الإيراني لا يقتصر على التوجيه الأيديولوجي، بل يتغلغل في بنية الدولة العراقية من خلال “دمج” هذه الفصائل في المؤسسات الحكومية، سواء التنفيذية أو التشريعية. هذا الاندماج، الذي بدأ مع قرار بول بريمر عام 2004، سمح للميليشيات بالتحول إلى قوة اجتماعية واقتصادية، تتجاوز مجرد التشكيل العسكري.

توسع النفوذ: الميليشيات كـ”إقطاعية” وأكثر

تُظهر الفصائل المسلحة استراتيجية توسعية تتجاوز السيطرة العسكرية، لتشمل الاستيلاء على الأراضي والموارد. في جنوب بغداد، تحولت الحقول الزراعية إلى “غابة استثمارات” تضم منشآت تابعة لجماعات مسلحة. يصف أحد الوجهاء هذه الظاهرة بأنها عودة إلى “زمن الإقطاعيات”، حيث تتحكم “سلطة غير مرئية” بالموارد، محمية ببيروقراطية حكومية اخترقتها الفصائل بإتقان. هذه الاستراتيجية ليست مجرد “دجاجة تبيض ذهباً” بل هي تهدف إلى “ابتلاع مستمر للجغرافيا لصالح نفوذ ايران السياسي” في العراق.

هذا التوسع لا يخلو من صراعات داخلية بين الفصائل نفسها على الموارد والنفوذ، والتي غالباً ما تتطور إلى احتكاكات واشتباكات، كما حدث في يوليو 2025 في دائرة زراعة بغداد. مثل هذه الحوادث، التي تبدو في الظاهر مجرد نزاعات، هي في الحقيقة تعبير عن تحولات عميقة داخل هذه القوى، وصراع محموم تديره إيران لضمان ولاء هذه المجموعات.

إدارة الصراع والتوسع: دور الحرس الثوري

يعد “الحرس الثوري” الإيراني الجهة الرئيسية التي تضبط إيقاع الصراعات بين الفصائل وتجني ثمار تمددها على الأرض. فهو لا يكتفي بفض النزاعات الداخلية، بل يستفيد أيضاً من هذه المجمعات الاستثمارية والمنشآت العسكرية لتعزيز نفوذه الإقليمي. هذه المناطق أصبحت تستخدم كـ”معسكرات تدريب” لمقاتلين من “محور المقاومة”، ومخازن للصواريخ والمسيرات، وسجون خاصة، ومراكز قيادة عملياتية.

في الحرب الأخيرة، انكشفت الميزة الميدانية لهذا التوسع الجغرافي، حيث انطلقت هجمات صاروخية وبالمسيرات من داخل حقول جنوب وغرب البلاد، ومن محيط بغداد، ومن مناطق الشمال، مستهدفة القوات الأمريكية ودول الخليج العربي. هذا الاستخدام الفعال للبنية التحتية التي بنتها الفصائل يسلط الضوء على مدى التخطيط الاستراتيجي الإيراني.

الفصائل والدولة: دمج متواصل ونفوذ عميق

شهد العراق أوسع عملية إدماج للفصائل المسلحة في مؤسسات الدولة الرسمية منذ عام 2003، ولا سيما بعد وصول محمد شياع السوداني إلى رئاسة الحكومة في عام 2022. هذا الدمج، الذي ظاهره “تهذيب سلوك الفصائل”، هو في جوهره “اختراق سياسي” يعزز نفوذ إيران. فالكثير من قادة الفصائل أصبحوا جزءاً من المؤسسة الحاكمة، فيما تظل “النخبة القتالية” خارج الدولة، “تقاوم الدولة نفسها”.

هذه الديناميكية المعقدة تعني أن الفصائل يمكن أن تعقد اتفاقيات لوقف إطلاق النار أو تسليم السلاح، بينما تستمر مجموعات خاصة داخلها، تابعة مباشرة لـ”الحرس الثوري”، في تنفيذ عمليات. هذا ما يفسر استمرار الهجمات ضد السفارة الأمريكية والمنشآت الحكومية، حتى خلال فترات التهدئة المتفق عليها.

المستقبل: دولة هجينة بين الولاء والمصلحة

مع استمرار الضغوط الأمريكية لتغيير جوهر الحكم في بغداد وتحييد “الحشد الشعبي” من المؤسسة الحاكمة، يبدو أن العراق يتجه نحو “نموذج انتقالي من دولة مركزية تحتكر الريع، لكنها موزعة فعلياً بين شبكات نفوذ متعددة”. هذا النموذج، الذي يصفه الخبراء بأنه “دولة تعيد تعريف نفسها بإدارة مساحة الفصائل –وليس بإلغائها- داخل النظام السياسي”، يمثل تعبيراً عن توازن فصائلي-سياسي معقد.

في الأمد القريب، سيبقى قادة “الإطار التنسيقي” على مفترق طرق بين حماية نفوذهم المتنامي ضمن صفقة إقليمية، أو حماية السلاح كمصدر للمكاسب الجديدة. وفي ظل هذه الظروف، تظل “حرب إيران المستمرة في العراق” عاملاً رئيسياً في تشكيل مستقبل البلاد، مع استمرار النفوذ الإيراني الذي يضمن الولاء على أسس عقائدية ومادية. التحدي الأكبر يكمن في كيفية إدارة هذا التوازن الدقيق بين مصالح الفصائل، ورغبات الدولة المركزية، والضغوط الإقليمية والدولية.