تقنية توثيق بشرائح ذات بصمة مشتركة من دون خوادم خارجية

يسعى مهندسون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) إلى تعزيز الأمن السيبراني بتقنية مبتكرة تسمح لشرائح إلكترونية بتوثيق بعضها البعض عبر “بصمة” مادية مشتركة، دون الحاجة لتخزين بيانات حساسة على خوادم خارجية. تهدف هذه التقنية، المسماة “تقنية توثيق بشرائح ذات بصمة مشتركة من دون خوادم خارجية”، إلى تحسين الخصوصية وتقليل استهلاك الطاقة مقارنة بالأنظمة التشفيرية التقليدية.

تهدف هذه الدراسة، التي نُشرت مؤخراً، إلى تمكين الشرائح الإلكترونية من التحقق من هوية بعضها البعض بشكل مباشر وآمن، مما يقلل الاعتماد على البنى التحتية المركزية التي غالباً ما تكون عرضة للاختراق. هذه المقاربة الثورية تفتح آفاقاً جديدة في عالم إنترنت الأشياء والأجهزة المتصلة.

تقنية توثيق بشرائح ذات بصمة مشتركة: ثورة في الأمن السيبراني

تستغل هذه التقنية الجديدة الاختلافات المجهرية الطبيعية التي تحدث أثناء تصنيع شرائح “CMOS”. هذه الاختلافات، التي لا يمكن تقليدها، تُعرف باسم “الدالة الفيزيائية غير القابلة للاستنساخ” (PUF)، وتعمل كتوقيع مادي فريد لكل شريحة. في الأنظمة التقليدية، يتم مقارنة استجابة الجهاز التي تعتمد على بصمته الفيزيائية مع قيمة مرجعية مخزنة على خادم خارجي.

المشكلة الرئيسية في الأنظمة الحالية تكمن في الحاجة لتخزين هذه البيانات المرجعية الحساسة في مكان ما، وغالباً على خادم خارجي. هذا يجعل المنظومة بأكملها عرضة للخطر في حال تعرض الخادم للاختراق. يوضح يون سوك لي، المؤلف الرئيسي للدراسة، أن الميزة الأكبر لهذه التقنية هي أنها “لا تحتاج إلى تخزين أي معلومات. ستبقى كل الأسرار داخل السيليكون دائماً”.

شريحتان ببصمة واحدة: مفهوم التمزق المقسم

للتغلب على مشكلة الاعتماد على التخزين الخارجي، نجح فريق MIT في تطوير طريقة لتصنيع شريحتين تتشاركان بصمة مدمجة واحدة، تكون خاصة بهذين الشريحتين فقط. يمكن تشبيه هذه الفكرة بورقة تم تمزيقها إلى نصفين؛ الحواف الممزقة فريدة ومتشابهة على النصفين، ولا يمكن إعادة إنتاجها بدقة. بهذه الطريقة، يمكن للقطعتين أن تتطابقا تماماً.

طبق الباحثون هذا المفهوم أثناء عملية تصنيع أشباه الموصلات، حيث تنتج عدة شرائح في نفس الوقت على رقاقة سيليكون واحدة قبل فصلها. استغل الفريق هذه المرحلة لإدخال “عشوائية مشتركة” بين شريحتين متجاورتين قبل تقطيعهما، مما يعزز الأمان بشكل كبير.

هندسة العشوائية داخل السيليكون: عملية انهيار أكسيد البوابة

لإنشاء هذه البصمة المشتركة، استخدم الباحثون عملية تُعرف باسم “انهيار أكسيد البوابة” (Gate Oxide Breakdown). تتضمن هذه العملية تطبيق جهد كهربائي مرتفع على ترانزستورات محددة مع تسليط ضوء “LED” منخفض التكلفة عليها. بسبب الفروقات المجهرية الطبيعية، ينهار كل ترانزستور في لحظة مختلفة قليلاً. تمثل حالات الانهيار هذه مصدر العشوائية التي تُبنى عليها البصمة الفيزيائية.

لإنشاء بصمة مزدوجة، صمم الفريق أزواجاً من الترانزستورات تمتد عبر شريحتين متجاورتين، وتربطها طبقات معدنية أثناء وجودها على الرقاقة نفسها. عند حدوث الانهيار، تتطور خصائص كهربائية مترابطة بين الترانزستورات المرتبطة. بعد ذلك، تُقطَّع الرقاقة بحيث تحصل كل شريحة على نصف زوج الترانزستورات، وبالتالي تحتفظ كل واحدة ببصمة مشتركة مع الأخرى. أظهر نموذج أولي لشريحتين متطابقتين تطابقاً في العشوائية بنسبة تفوق 98 في المائة، وهي نسبة كافية لضمان توثيق مستقر وآمن.

أهمية خاصة للأجهزة منخفضة الطاقة

تعد هذه التقنية مفيدة بشكل خاص في الأنظمة التي تعمل بقيود طاقة صارمة، حيث تكون الكفاءة والأمن أولوية قصوى. على سبيل المثال، يمكن لكبسولات استشعار طبية قابلة للبلع متصلة برقعة تُرتدى على الجسم الاستفادة من هذا النهج، حيث يمكن للكبسولة والرقعة توثيق بعضهما مباشرة دون الحاجة لخادم وسيط أو بروتوكولات تشفير معقدة تستهلك طاقة إضافية. يقول أنانثا تشاندراكاسان، نائب رئيس MIT والمؤلف المشارك، أن هناك “طلباً متزايداً بسرعة على أمن الطبقة الفيزيائية للأجهزة الطرفية”.

يوفر منهج البصمة المزدوجة “اتصالاً آمناً بين العقد دون عبء بروتوكولات ثقيلة، مما يحقق كفاءة في الطاقة وأمناً قوياً في الوقت نفسه”.

نحو ترسيخ الثقة في العتاد نفسه

لا يقتصر البحث على الحلول الرقمية فقط، حيث يستكشف الفريق إمكان تطوير أشكال أكثر تعقيداً من “السرية المشتركة” تعتمد على خصائص تماثلية يمكن تكرارها مرة واحدة فقط. ويرى روانان هان، أستاذ الهندسة الكهربائية وعلوم الحاسوب والمؤلف المشارك، أن هذه الخطوة تمثل محاولة أولية لتقليل المفاضلة بين الأمان وسهولة الاستخدام.

إن إنشاء مفاتيح تشفير مشتركة داخل مصانع أشباه الموصلات الموثوقة قد يساعد على كسر المفاضلة بين تعزيز الأمان وتسهيل حماية نقل البيانات. ومع تزايد انتشار الأجهزة المتصلة وتوسع الحوسبة الطرفية، قد يصبح دمج الثقة مباشرة في العتاد أمراً ضرورياً. من خلال ضمان بقاء الأسرار داخل السيليكون نفسه، تشير هذه التقنية إلى مستقبل يُبنى فيه التوثيق داخل الشريحة لا خارجها.

يتطلع الباحثون الآن إلى تحسين هذه التقنية وتوسيع نطاق تطبيقاتها، مع التركيز على دراسة أنواع أخرى من “السرية المشتركة” التي تعتمد على مزايا فيزيائية فريدة. ومع ذلك، لا تزال هناك تحديات تتعلق بقياس دقة هذه الأنظمة على نطاق واسع والتأكد من ثبات أدائها تحت ظروف تشغيل مختلفة.