من التبنِّي إلى التنفيذ… «الفنتك» السعودي يدخل مرحلة النضج الحاسمة

يشهد القطاع المالي في المملكة العربية السعودية تحولاً رقمياً غير مسبوق، حيث انتقل الاقتصاد في أقل من عقد من الاعتماد الكثيف على النقد إلى هيمنة المعاملات الإلكترونية، التي تشكل الآن نحو 80% من المدفوعات في التجزئة. هذا التطور السريع، الذي أشار إليه محمد عويضة، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة “ستيتش”، يدفع قطاع التقنية المالية السعودية إلى مرحلة حاسمة لا تتعلق فقط بالاعتماد على هذه التقنيات، بل بمدى القدرة على تنفيذها بفعالية وتكاملها العميق ضمن الأنظمة المالية.

تؤكد تصريحات عويضة لـ”الشرق الأوسط” أن المملكة لم تلحق بأسواق رائدة في “الفنتك” فحسب، بل تجاوزتها في بعض نواحي المدفوعات. ومع هذا التقدم، يواجه القطاع تحديات تتعلق بالتنفيذ الفعلي للتقنيات المتقدمة، مثل الذكاء الاصطناعي، لتتجاوز واجهة المستخدم السطحية إلى جوهر العمليات المالية.

تحديات التنفيذ العميق للتقنية المالية السعودية

رغم التبني الواسع للمحافظ الرقمية والمدفوعات السلسة، يرى عويضة أن التحول العميق في البنى التحتية لا يزال غير مكتمل. يبرز الذكاء الاصطناعي كمثال واضح؛ فبالرغم من الزخم حوله، يظل استخدامه في المؤسسات المالية مقتصراً على تطبيقات بسيطة، مثل واجهات المحادثة، بدلاً من دمجه في وظائف أساسية كإدارة الاحتيال واتخاذ قرارات الائتمان.

يعود هذا التحدي إلى “الأنظمة الأساسية القديمة وتعدد منصات الموردين”، مما يعيق دمج الذكاء الاصطناعي في صلب العمليات، ويحد من قدرة المؤسسات المالية السعودية على التوسع بكفاءة. وتخطط أكثر من 84% من المؤسسات لتحديث بنيتها التحتية، مما يشير إلى إدراك واسع لضرورة التغيير.

تجزئة الأنظمة وتأثيرها على الابتكار

تشكل التجزئة تحدياً كبيراً، حيث تعتمد أكثر من 73% من المؤسسات على شركاء خارجيين لإطلاق وتحديث المنتجات. ورغم أن هذا النموذج ساعد على تسريع الابتكار، فإنه “أدى إلى زيادة التعقيد، وزاد من عبء التنسيق، وأبطأ التنفيذ، وشتت المسؤوليات”، كما يوضح عويضة.

لا يقتصر التأثير على الكفاءة، بل يمتد إلى صعوبة تطبيق معايير الحوكمة والامتثال والأمن، مما يعيق الابتكار المتكامل داخل المؤسسات. وهذا يؤثر بدوره على القدرة على تحليل البيانات بشكل فعال، حيث تكون البيانات غالبًا موزعة عبر أنظمة متعددة وغير متزامنة.

البيانات: من تحدٍ إلى محرك للنمو في الفنتك

في قلب التحديات التي تواجه قطاع الفنتك السعودي، تكمن البيانات. ففي العديد من المؤسسات، تعاني البيانات من التجزئة والتكرار، وتتم معالجتها يدوياً أو تصل متأخرة، وهو ما يحد من كفاءة العمليات ومن إمكانات تطبيق تقنيات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي. يؤكد عويضة أن “تقييد البيانات يقيد كل شيء”، بما في ذلك القدرة على تقييم المخاطر وتحديد الأسعار ديناميكياً وتقديم خدمات مالية مخصصة.

في المقابل، يرى عويضة أن بناء الأنظمة على نماذج بيانات موحدة يحول المشهد بالكامل، “عندما تعمل المؤسسات على نماذج بيانات موحدة وطبقات تحكم مشتركة، يتضاعف الابتكار”. يمكن لهذه البيئة تمكين إطلاق المنتجات بسرعة وتقييم المخاطر فورياً، مما يمهد الطريق لـ”الخدمات المصرفية المفتوحة” التي بدأت تظهر كواقع ناشئ في المملكة.

دور التنظيم والكفاءات البشرية في النضج

يعد الإطار التنظيمي الواضح من البنك المركزي السعودي نقطة قوة أساسية. يرى عويضة أن هذه الأطر “تمكن المؤسسات من الابتكار بثقة، بدلاً من العمل بحذر ضمن تجارب معزولة”. كما لعبت البيئات التجريبية التنظيمية (sandboxes) دوراً حيوياً في تسريع الابتكار مع الحفاظ على الاستقرار. يكمن التحدي المستقبلي في الحفاظ على هذا التوازن بين السرعة والضوابط، مع تطور دور الشركاء التقنيين ليقدموا دعماً شاملاً يتضمن الحوكمة والامتثال والأمن.

يؤكد عويضة كذلك على الأهمية القصوى للكفاءات البشرية ووضوح المسؤوليات. فـ”تفشل التقنيات المتقدمة عندما تكون المسؤولية موزعة بين فرق أو موردين أو وظائف مختلفة”. كما أن تنمية الكفاءات في السعودية، خاصة في مجالات البيانات والذكاء الاصطناعي، تعد ميزة استراتيجية ضمن رؤية 2030، حيث يؤثر التطور المالي بشكل مباشر على سرعة تطور الاقتصادات من خلال تحسين حركة الأموال وتوزيع رأس المال.

في الختام، تتجه التقنية المالية السعودية نحو مرحلة النضج، حيث لن يقاس النجاح بعدد المنتجات الرقمية، بل بمدى كفاءتها وتكاملها. يتوقع عويضة بيئة تمكن من إطلاق منتجات مالية متوافقة في أسابيع بدلاً من سنوات، دون زيادة المخاطر. النجاح المستقبلي سيعتمد على الأتمتة، والدمج الفعال للأنظمة، وتطوير الكفاءات البشرية. هذا الانطلاق نحو التنفيذ المستدام يمثل المرحلة الأكثر أهمية في رحلة الفنتك السعودي.