الإعلانات تتسلل إلى روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي

أصبح الذكاء الاصطناعي جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، حيث يعتمد مئات الملايين من الأشخاص حول العالم على روبوتات الدردشة في مهام تتراوح بين طلب التوصيات العادية وتقديم الدعم العاطفي. هذا الانتشار الواسع جعلهم جمهورًا مستهدفًا وجذابًا للإعلانات الخفية في روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مما يثير تساؤلات حول طبيعة التفاعل بين المستخدمين والذكاء الاصطناعي.

تشير الأبحاث الحديثة التي أجراها علماء الحاسوب برايان جاي تانغ وكانغ جي شين، إلى أن روبوتات الدردشة يمكن أن تستخدم بسهولة للتأثير على خيارات المستخدمين من خلال إعلانات مدمجة بمهارة. هذه الدراسة، المنشورة في مجلة جمعية آلات الحوسبة، كشفت أن معظم المشاركين لم يدركوا أنهم يتعرضون للتلاعب التجاري في الوقت الذي بدأت فيه شركات كبرى مثل مايكروسوفت، جوجل، أوبن إيه آي، وميتا، دمج الإعلانات في أدواتها المعتمدة على الذكاء الاصطناعي، مما يعكس تحولًا كبيرًا في استراتيجيات تحقيق الربح.

الإعلانات تتسلل إلى روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي

بدأت شركات التكنولوجيا الكبرى في دمج الإعلانات داخل روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مما يشكل نموذجًا جديدًا للإعلانات الرقمية. ففي عام 2023، بدأت مايكروسوفت بعرض إعلانات في أداة “بينج شات” (كوبايلوت حاليًا)، تلتها تجارب جوجل وأوبن إيه آي في روبوتات الدردشة الخاصة بهما. كما بدأت ميتا بإرسال إعلانات مخصصة لمستخدميها على فيسبوك وإنستغرام، بناءً على تفاعلاتهم مع أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية. وتعمل أوبن إيه آي على توسيع جهودها الإعلانية، مستعينة بمسؤولين تنفيذيين ذوي خبرة من شركات رائدة مثل ميتا، مما يعكس الأهمية المتزايدة لهذا المجال.

هذا التحول يضع الإعلانات الخفية في الذكاء الاصطناعي على مستوى جديد من المخاطر للمستهلكين، حيث يتجاوز دور روبوتات الدردشة مجرد البحث عن المعلومات ليشمل تقديم نصائح حياتية ودعمًا نفسيًا. المستخدمون ينظرون بشكل متزايد إلى هذه الروبوتات كرفاق ومعالجين، مما يزيد من صعوبة تمييز المحتوى الإعلاني في ظل العلاقة الوثيقة التي تتشكل مع الذكاء الاصطناعي. هذا السيناريو يعزز سعي شركات الذكاء الاصطناعي لتحليل بيانات المستخدمين بدقة لزيادة فعالية الإعلانات وربحيتها.

تحليل بيانات المستخدمين لتوجيه إعلانات روبوتات الدردشة المخصصة

أصبحت الإعلانات عبر الذكاء الاصطناعي أكثر فعالية بفضل قدرة نماذج اللغة الضخمة على استنتاج كميات هائلة من البيانات الشخصية، التفضيلات، وحتى أنماط التفكير من استفسارات المستخدمين الروتينية. على سبيل المثال، سؤال بسيط حول كتابة مقال عن الأدب الأمريكي قد يكشف أن المستخدم طالب ثانوي، بينما طلب وصفات لعشاء سريع قد يشير إلى أنه والد عامل. هذه التفاعلات، عند تجميعها بمرور الوقت، تُنشئ ملفات شخصية غنية ودقيقة للغاية تساعد في توجيه الإعلانات الخفية. يمكن لروبوتات الدردشة جمع معلومات أكثر بكثير مما يتوقعه المستخدم، مما يسمح لها بصياغة إعلانات شخصية للغاية تتداخل مع سياق المحادثة.

لتوضيح هذا التأثير، قام الباحثون بتطوير روبوت دردشة يدمج الإعلانات بسلاسة في المحادثات. طلبوا من 179 شخصًا إنجاز مهام عبر الإنترنت باستخدام ثلاثة أنواع من الروبوتات: نسخة عادية، نسخة تدمج إعلانات غير معلنة، ونسخة تحدد الإعلانات بوضوح. أظهرت النتائج أن النسخة الإعلانية أقنعت المستخدمين باستخدام منتجات محددة، مثل تطبيق لتتبع السعرات الحرارية، وقُدمت التوصيات كأنها حيادية. ما يثير القلق هو أن نصف المشاركين الذين تلقوا إعلانات مدعومة، صراحة وغير صراحة، لم يلاحظوا وجود لغة إعلانية. بل إن العديد منهم فضلوا الردود الإعلانية، معتبرين أنها أكثر ودية وفائدة، على الرغم من أن الإعلانات قللت من أداء الروبوت بنسبة 3-4% في بعض المهام.

مستقبل الإعلانات الخفية وتأثيرها الاجتماعي

إن هذا النوع من التأثير الخفي يحمل عواقب وخيمة تتجاوز المشتريات الاستهلاكية، فقد يمتد إلى الآراء السياسية والاجتماعية. لطالما استخدمت خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي علم النفس لاستهداف المستخدمين، ولكن روبوتات الدردشة ترفع هذه الممارسة إلى مستوى جديد. بينما تركز خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي على إبقاء المستخدمين متفاعلين مع المحتوى والإعلانات المخصصة بناءً على سجل البحث، يمكن لروبوتات الدردشة محاولة إقناع المستخدمين مباشرة، استنادًا إلى معتقداتهم ومشاعرهم ونقاط ضعفهم. هذه الروبوتات، بقدرتها على التصرف بشكل شبه مستقل وجمع المعلومات الدقيقة من خلال الاستجواب، يمكن أن تصبح أدوات أكثر فاعلية للإقناع مقارنة بالخوارزميات التقليدية.

مع بدء أوبن إيه آي عرض الإعلانات في شات جي بي تي، وتعهّدها بعدم السماح للإعلانات بتغيير ردود الروبوت، فإن دمج الإعلانات المخصصة في روبوتات الدردشة يبدو وشيكًا. تشير الأبحاث إلى أن غالبية المستخدمين قد لا يلاحظون هذا التغيير إذا حدث. للحد من هذا التأثير، ينصح المستخدمون بالبحث عن أي نص إفصاحي (مثل “إعلان” أو “برعاية”)، سواء كان واضحًا أو خفيًا، والذي تفرضه لوائح التجارة الفيدرالية. كما يجب التفكير فيما إذا كان المنتج المذكور منطقيًا ومعروفًا على نطاق واسع، حيث أن المنتجات الجديدة أو غير المعروفة قد تكون مؤشرًا على وجود إعلان. أي تغيير غير معتاد في التوجه أو اللهجة في ردود الروبوت قد يشير أيضًا إلى وجود محتوى إعلاني، مما يستدعي يقظة المستخدمين في عالم تتزايد فيه تسللات الإعلانات الخفية.