«ثريا حبي» يُعيد المخرج الراحل مارون بغدادي إلى عائلته

يعيد الفيلم الوثائقي الجديد “ثريا حبي”، للمخرج اللبناني نيكولا خوري، المخرج الراحل مارون بغدادي إلى عائلته وذاكرة الجمهور من خلال عيني زوجته ثريا. عُرض الفيلم مؤخرًا في ختام «مهرجان بيروت الدولي لسينما المرأة»، ويسلط الضوء على قصة حب مارون وثريا، التي بدأت في السبعينات واستمرت رغم رحيل بغدادي المفاجئ.

يبحث الوثائقي في تفاصيل العلاقة الحميمة بين المخرج الراحل مارون بغدادي وزوجته ثريا، ويروي قصتهما من منظورها الخاص. تمكن خوري من بناء الثقة مع ثريا على مدار أربع سنوات من المقابلات، مما أتاح للفيلم الكشف عن جوانب غير معروفة من حياتهما المشتركة، وتأثير الحرب اللبنانية على مسارهما الفني والشخصي.

“ثريا حبي”: فيلم وثائقي يروي قصة حب وسيرة فنية

يستعرض الفيلم رحلة مارون وثريا التي لم تستمر في الزواج لأكثر من 12 عامًا، بسبب وفاة مارون الغامضة في بيروت وهو في أوج عطائه الفني، وذلك بعد عامين فقط من فوزه بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان كان السينمائي عن فيلمه “خارج الحياة”. هذه الفاجعة تركت ثريا وحيدة مع أولادها الثلاثة في باريس، تحدق في مستقبل غامض لكنها بقيت أمينة على إرث زوجها الفني وواصلت مسيرتها المهنية كراقصة شرقية ومعلمة.

تتحدث ثريا في الفيلم عن مارون، وعن التحديات التي واجهت حياتهما كزوجين وفنانين في ظل ظروف الحرب الأهلية اللبنانية. كان مارون منغمسًا بشدة في عمله وطموحاته الفنية، تاركًا ثريا تتحمل مسؤولية العائلة والأبناء، حتى أنها تعترف بأنه “لم تكن لهما يوميات حقيقية”. ومع ذلك، تظهر الرسائل المتبادلة بينهما شغفًا وحبًا عميقًا، كانت الملجأ لهما وقت الخلافات والصمت.

أرشيف بغدادي: نافذة على حياة إبداعية وشخصية

يقدم الفيلم لمحات مؤثرة من خلال أرشيف ثريا الشخصي الذي يضم رسائل ومخطوطات وتسجيلات ورسومات لمارون. هذه المواد تعيد إحياء ذكريات مؤلمة وجميلة في آن واحد، وتساعد في بناء صورة شاملة لمارون كفنان وكإنسان. هذه المادة الأرشيفية المعقدة، تضيف عمقًا للفيلم، وتجبر ثريا على مواجهة ماضيها وتقليب صفحاته، مما يجعل جروحها مفتوحة وذكرياتها متدفقة.

تُظهر ثريا صراحة مدهشة خلال الفيلم، فهي لا تتصنع المثالية ولا تكتفي بدور الأرملة الحزينة. “لا أريد أن أبكي”، تقول. “كنت بحاجة لوقت لبناء الثقة وفتح الخزائن والأسرار”. كما تعترف ثريا بعلاقات أخرى قامت بها بعد وفاة مارون، لكنها تتساءل في نفس الوقت: “من أين تأتي برجل يحمل كل هذا الحب الذي أغدقه مارون؟”.

مارون بغدادي: رفيق العمر والإلهام

يحرص المخرج نيكولا خوري وطاقمه، بمن فيهم المنتجة جانا وهبه، على متابعة تطور شخصية ثريا كامرأة وفنانة ضحت بسنوات عمرها الثمينة لدعم شريكها. ثم، وبعد رحيل مارون، أصبحت أمًا وطورت شغفًا وطموحًا خاصًا بها. يتجلى مارون في الفيلم من خلال استعادة ذكريات ثريا، ومن خلال أفلامه التي تركها، ومن خلال استعادة مقتنياته الشخصية مثل سيارته الخاصة التي لا تزال بحوزة العائلة.

تظهر ثريا في الفيلم وهي تقود سيارة مارون المكشوفة في شوارع بيروت، بشعرها الشيب، وكأنها تستعيد يومًا كانت تجلس بجانبه. وفي مشهد آخر، ترتدي قميصه ومعطفه، وتشم رائحتهما، وتضع نظارتيه على وجهها، في محاولة لاستعادة الغائب، الأمر الذي يُعد لفتة مؤثرة لتأكيد الحضور الدائم لمارون في حياتها.

نكولا خوري: مخرج يحصد الجوائز

نيكولا خوري مخرج يتمتع بسجل حافل، حيث حازت أفلامه الثلاثة على جوائز وعُرضت في مهرجانات دولية. فيلمه الروائي الأول “فياكسو” عُرض لأول مرة في مهرجان كوبنهاغن للأفلام الوثائقية وفاز بجائزتين في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي عام 2021. أما فيلم “ثريا حبي”، فقد فاز بجائزة أفضل فيلم وثائقي أيضًا في مهرجان القاهرة السينمائي، مما يؤكد جودة هذا العمل الاستثنائي وقيمته الفنية.

يُعد فيلم “ثريا حبي” تجربة سينمائية عميقة ومؤثرة، لا تقتصر على سرد قصة حب، بل تتجاوز ذلك لتوثق جانبًا من تاريخ لبنان الفني والاجتماعي. مع استمرار عروض الفيلم في المهرجانات الدولية، يترقب الجمهور المزيد من النقاشات والتحليلات حول إرث مارون بغدادي وتأثيره الدائم على السينما العربية.