انحازت جوائز الدورة الخامسة عشرة من مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية، في اختياراتها الختامية، بشكل واضح للقضايا الاجتماعية الملحة. وقد شهدت هذه النسخة تتويجًا للسينما المصرية بعدة جوائز قيمة، أبرزها جائزة “أفضل فيلم” لـ “كولونيا” للمخرج محمد صيام، والذي حصد بطله أحمد مالك جائزة أفضل ممثل، في تأكيد لنجاحات سابقة. هذا التوجه يعكس اهتمام المهرجان بقضايا المجتمع عبر عدسة السينما الأفريقية.
تتمحور أحداث فيلم “كولونيا”، الذي يشارك في بطولته أيضًا الفنان الفلسطيني كامل الباشا ومايان السيد ودنيا ماهر، حول ليلة محمومة تشهد مواجهة حادة بين أب وابنه. تستدعي هذه المواجهة ذكريات قديمة وخلافات متراكمة، وتكشف عن الصور السلبية التي يحملها كل منهما تجاه الآخر. تأتي هذه الأحداث قبل ساعات قليلة من وفاة الأب، الذي يعود إلى منزله بعد غيبوبة مرضية استمرت ستة أشهر، وتتخلل القصة لقطات “فلاش باك” لتسليط الضوء على تعقيدات العلاقة بين الأب والابن.
مهرجان الأقصر للسينما الأفريقية: احتفاء بالقضايا الاجتماعية والتنوع الثقافي
في لفتة مميزة، حصد الفيلم السوداني “ملكة القطن” للمخرجة سوزانا مرغني جائزة “لجنة التحكيم الخاصة لأفضل فيلم”. يروي الفيلم قصة نفيسة، التي نشأت في قرية سودانية مشهورة بزراعة القطن، متأثرة بحكايات جدتها عن محاربة المستعمرين. وعند وصول رجل أعمال شاب من الخارج يحمل خطة تنموية جديدة تعتمد على القطن المعدل وراثيًا، تستنهض نفيسة قوتها لتنقذ حقول القطن السوداني، وفي الوقت ذاته، تنقذ نفسها من الضياع. هذا الفيلم، الذي شارك في إنتاجه سبع دول وعُرض سابقًا في مهرجان البندقية، يمثل العمل الأول لمخرجته وقد حصد إشادة واسعة. فيلم “ملكة القطن” يؤكد على دور السينما الأفريقية في تسليط الضوء على الهوية الثقافية والتحديات الاقتصادية.
وفي إطار آخر، نال الفيلم المصري “القصص” جائزة التصوير، التي ذهبت إلى مدير التصوير النمساوي وولفجانج ثالر. هذا الفيلم، الذي استلهم مخرجه أبو بكر شوقي أحداث قصة حب والديه، يتكون من خمس حكايات تبدأ في صيف عام 1967، وقد عُرض مسبقًا في النسخة الماضية من مهرجان البحر الأحمر السينمائي، مما يعكس التنوع في الموضوعات والمشاركات في المهرجانات السينمائية.
تنوع الجوائز وتكريمات شخصيات بارزة
ضمت لجنة تحكيم المهرجان نخبة من الأسماء السينمائية البارزة، منهم المخرج الجنوب أفريقي نتشافهيني والورولي، والمخرج البوركينابي داني كوياتي، والفنانة المصرية بسمة، والمخرج المصري سعد هنداوي، إضافة إلى المخرج المغربي جمال سويسي. وقد شهد حفل الختام تكريم كل من سهير المرشدي، ومحسن محيي الدين، وسيف عبد الرحمن، ضمن برنامج “تكريم نجوم سينما يوسف شاهين”، احتفاءً بمئوية ميلاد المخرج الراحل، وهو ما تضمن عدة فعاليات لأعماله خلال المهرجان. هذه التكريمات تعمق تقدير المهرجان للرموز الفنية.
أظهرت جوائز مسابقة الفيلم القصير تنوعًا لافتاً في التجارب السينمائية الأفريقية. مُنح تنويه خاص لفيلم “لا توقظ الطفل النائم” للمخرج كيفن أوبير من السنغال، وفيلم “حكايتي مع شارع جيبّا” للمخرج كاجو إيدهيبور من نيجيريا. وفي فئة أفضل إسهام فني، ذهبت الجائزة إلى فيلم “همسات من الريح” للمخرج ريمي ريوموجابي من رواندا، بينما حصد فيلم “عائشة” للمخرجة سناء العلوي من المغرب قناع توت عنخ آمون الفضي. وتُوّج فيلم “أحلام دندرة” للمخرجة صابرين الحسامي من مصر بجائزة قناع توت عنخ آمون الذهبي، مما يؤكد على زخم السينما المصرية في هذا المحفل.
وفي إشارة أخرى لاهتمام المهرجان بالقضايا الإنسانية، نال الفيلم الجنوب أفريقي “قضاء الرب” للمخرج مايكل جيمس جائزة أفضل فيلم يتناول قضية أفريقية. تدور أحداث الفيلم في مدينة ديربان، حيث يعيش عدد من الرجال المشردين داخل مبنى متهالك، يجمعهم تضامن هش في مواجهة عالم قاسٍ تسوده اللامبالاة. هذا العمل يعكس التزام المهرجان بتعزيز الحوار حول التحديات الاجتماعية القائمة.
وصرح الناقد السينمائي طارق الشناوي لـ “الشرق الأوسط” أن الاحتفال بمئوية يوسف شاهين، على الرغم من تناول عدة مهرجانات سابقة له، يتجاوز فكرة السبق من خلال تقديم أفكار مختلفة في الاحتفاء، مشيرًا إلى أن مهرجان الأقصر يتفرد بكونه الحدث السينمائي الأهم المرتبط بالسينما الأفريقية بشكل رئيسي. وأضاف الشناوي أن المهرجان أتاح عرض مجموعة من أبرز الأفلام المصرية التي تميزت مؤخرًا، والتي عُرضت للمرة الأولى في الأقصر، مستفيدًا من غياب أي شاشة عرض سينمائية في المدينة حاليًا، وهو ما وفر فرصة قيمة لجمهور المدينة لمشاهدة هذه الأعمال الفنية. هذا المهرجان يمثل نافذة مهمة للجمهور الأفريقي والعالمي للاطلاع على الإنتاجات السينمائية التي تعالج قضاياها.































