«زينة رمضان»… طقس تاريخي يلازم الشوارع والحارات المصرية

«زينة رمضان»: طقس مصري تاريخي يضيء الشوارع بالأمل رغم الغلاء

مع اقتراب شهر رمضان، تعج الشوارع والحواري المصرية، خاصة في المناطق الشعبية، بالبهجة والروعة من خلال تقليد متجذر وهو “زينة رمضان”. هذا التقليد السنوي، الذي تتفنن فيه المجتمعات المحلية، يحول الشوارع إلى لوحات فنية تعكس روح الشهر الكريم، على الرغم من التحديات الاقتصادية وارتفاع أسعار مستلزمات الزينة.

يشهد شهر رمضان المبارك في مصر عادةً تقليدًا خاصًا يتجسد في تزيين الشوارع والميادين بالأنوار الملونة والفوانيس والأشرطة، مما يضفي أجواء احتفالية مميزة. هذا الطقس، الذي يجمع بين البهجة الدينية والاحتفاء الاجتماعي، أصبح جزءًا لا يتجزأ من هوية استقبال الشهر الفضيل لدى المصريين، حيث يتكاتف الأهالي لتمويل هذه الزينة، مجسدين روح التكافل والتآزر.

التحديات الاقتصادية وابتكار الحلول

ترتفع أسعار مستلزمات الزينة الرمضانية بشكل ملحوظ كل عام. فقد يصل سعر حبل الورق الملون، الذي لا يتجاوز طوله عشرة أمتار، إلى ما يزيد على 40 جنيهاً مصرياً، بينما تتراوح قيمة متر واحد من حبل إضاءة “الليد” بين 15 و20 جنيهاً. أما الفوانيس المعلقة، فتتراوح أسعارها بين 350 و1000 جنيه، مما يشكل عبئاً اقتصادياً على الأسر. وعلى الرغم من هذه الأرقام، لا يزال المصريون يصرون على الاحتفال.

صناعة الزينة يدوياً: بديل شبابي

لمواجهة ارتفاع الأسعار، يلجأ بعض الشباب إلى ابتكار حلول إبداعية، أبرزها صناعة الزينة بأنفسهم. يقوم هؤلاء الشباب بشراء الأوراق الملونة من المكتبات، ثم يتكاتفون لتحويلها إلى أشرطة وزخارف يتم لصقها على الحبال. يقول سعد عبد الهادي، شاب في منطقة الطالبية بحي الهرم، إن هذه الطريقة ساعدتهم على تجاوز تكلفة شراء الزينة الجاهزة، واقتصر شرائهم على الفوانيس نظرًا لصعوبة صناعتها.

تأجير الزينة: حل اقتصادي آخر

في مناطق أخرى، مثل شارع العروبة بالهرم، ابتكر الأهالي حيلة أخرى لتجاوز الغلاء، وهي تأجير الزينة. يقوم محمود حسين، الذي يعمل في صناعة الحلوى، بتنظيم الاكتتاب بين سكان الحي لتأجير أحبال المصابيح من أحد محلات مستلزمات الأفراح، وذلك بدلاً من شرائها. ويتفقون مع صاحب المحل على مشاركته في تزيين الشارع. يوضح حسين أنهم يكتفون بالزينة المضيئة وأحبال المصابيح المؤجرة، نظرًا لارتفاع أسعار الفوانيس الكبيرة.

انتشار تجارة الزينة

يشهد شهر رمضان رواجًا كبيرًا في تجارة الزينة والأشرطة الملونة. تستغل العديد من المحلات وأصحاب المتاجر هذه الفرصة لتحقيق الأرباح، بدءًا من محلات الكهرباء والمكتبات وصولاً إلى الدكاكين الصغيرة. تقول سعيدة مرزوق، صاحبة مكتبة في منطقة ترسا بحي الهرم، إنها تذهب إلى منطقة “تحت الربع” بالقرب من العتبة لشراء أنواع مختلفة من الزينة وبيعها لجيرانها. وتشير إلى الإقبال الكبير على هذه المنتجات، حتى نفدت معظم الكميات.

تفسيرات ثقافية واجتماعية

يربط الدكتور مسعود شومان، الباحث في الفنون الشعبية والتراث، اهتمام المصريين واحتفالاتهم بقدوم رمضان بسعيهم الدائم للمزج بين المناسبات الدينية والفرح. ويرى شومان أن المصريين يعتبرون الشهر الكريم “ضيفاً” يستحق الترحيب به. ويشير إلى أن الزينة والأغاني الشعبية والموائد العامرة هي مظاهر لهذا الاستقبال، وأن هذا الطقس يعكس “غنى روحياً” يتمتع به الناس، بغض النظر عن حالتهم المادية.

تترافق هذه الزينة مع الأغاني الرمضانية الشعبية مثل “يا أبو رمضان يا أبو صحن نحاس”، والتي تعكس نظرة المصريين للشهر الفضيل كضيف يتم الترحيب به. يؤكد شومان أن هذا العمل الجماعي أساسه المشاركة والتعاون، وليس مجرد رد فعل على الفقر.

الآفاق المستقبلية

مع استمرار هذا التقليد الثقافي العريق، يظل السؤال مطروحًا حول استدامته في ظل الظروف الاقتصادية المتغيرة. بينما يستمر الشباب في ابتكار حلول بديلة، يبقى التحدي في الحفاظ على روح الاحتفال والتكافل التي تميز “زينة رمضان” في مصر.