في ظاهرة طبيعية لم تكن موثقة رسمياً حتى وقت قريب، كشف باحثون عن قدرة سمكة أفريقية صغيرة على تسلق شلالات ضخمة. لأكثر من نصف قرن، تداولت الحكايات حول أسماك تتسلق الشلالات في وسط أفريقيا، لكن هذه الادعاءات لم تلقَ تأكيدًا علميًا. الآن، وفي خطوة رائدة، تم توثيق ودراسة هذه الظاهرة بشكل مفصل حديثًا في مجلة «ساينتيفيك ريبورتس».
تُظهر الدراسة، التي قادها الباحث باسيفيك كيويلي موتامبالا من جامعة لوبومباشي بجمهورية الكونغو الديمقراطية، كيف نجحت أسماك «باراكنيريا ثيسي»، المعروفة بـ «أسماك الشيلر»، في تسلق شلالات لوفيلومبو على نهر لوفيلومبو بحوض الكونغو العلوي. هذا الشلال يبلغ ارتفاعه 15 مترًا (50 قدمًا)، وقد رُصدت الآلاف من هذه الأسماك وهي تهاجر عكس التيار، متشبثة بالأسطح الصخرية المبللة.
سمكة الشيلر: رحلة تسلق مذهلة
تتراوح أطوال سمكة الشيلر الصغيرة المتسلقة بين 37 و48 مليمترًا في المتوسط، بينما يمكن أن تصل الأطوال القصوى إلى حوالي 96 مليمترًا. وقد لُوحظ أنها تستغرق حوالي 10 ساعات للوصول إلى قمة الشلال، حيث تتخلل هذه الرحلة فترات راحة طويلة ومتقطعة.
تُعد عملية التسلق مرهقة للغاية، وتتطلب التوقف المتكرر للاستراحة. أحيانًا تكون هذه التوقفات قصيرة لبضع ثوانٍ تستلقي فيها الأسماك على الرفوف الصخرية، وأحيانًا تكون أطول عند العثور على حواف أفقية مريحة. حدد الباحثون تسع حواف أفقية رئيسية تستريح عليها الأسماك، مدة كل استراحة تقارب الساعة، مما يوضح سبب طول الرحلة.
أشار مؤلفو الدراسة إلى أن السمكة الواحدة قد تحتاج إلى ما يقارب 9 ساعات و45 دقيقة لعبور الشلال بأكمله. قد يعني ذلك أنها تحتاج يومًا أو ليلًا كاملين تقريبًا للتغلب على هذه العقبة الطبيعية. وبالرغم من هذه الجهود، لا تنجح جميع الأسماك في إكمال الرحلة، حيث لُوحظ سقوط بعضها بسبب اندفاعات المياه المفاجئة، خاصة عند مرورها أسفل الأجزاء المتدلية من الجرف.
آليات تسلق أسماك الشيلر والتحديات
تُعزى قدرة هذه الأسماك على التسلق إلى تكيفات فريدة. تمتلك سمكة أفريقية هذه نتوءات صغيرة تشبه الخطافات، تستقر على وسائد متخصصة موجودة في زعانفها الصدرية والحوضية. تساعدها هذه النتوءات، بالإضافة إلى عضلات قوية، على حمل وزنها والتشبث بالصخور الرطبة.
من المثير للاهتمام أن الأسماك التي يقل طولها عن 48 مليمترًا تقريبًا هي الأكثر قدرة على التسلق. تُظهر الملاحظات أن الأسماك الأكبر حجمًا تكون أثقل وأقل قدرة على مثل هذا الجهد البدني. تفقد هذه الأسماك الأكبر تدريجيًا القدرة اللازمة لحمل وزنها بكفاءة مع نموها، مما يشير إلى أن صغر الحجم قد يكون ميزة في هذه العملية الصعبة.
لماذا تتسلق الأسماك الشلالات؟
تُسجل هذه الظاهرة بشكل حصري خلال مواسم الفيضانات، وتحديدًا في شهري أبريل (نيسان) ومايو (أيار) من كل عام، في نهاية موسم الأمطار. حتى الآن، لم يتم تحديد الهدف الدقيق وراء هذا السلوك الغريب لسمكة تتسلق الشلالات بشكل قاطع، لكن هناك العديد من الفرضيات.
إحدى الفرضيات هي أن هذه الأسماك قد تُجرف من موائلها الأصلية في أعالي النهر بسبب الأمطار الغزيرة، وتحاول بعد ذلك العودة إلى مناطقها الطبيعية. وقد لوحظت سلوكيات مماثلة لدى أنواع أخرى من الأسماك. وتشير فرضية أخرى إلى أن هجرة أسماك الشيلر هذه قد تكون سعيًا للوصول إلى مناطق تقل فيها المنافسة على الغذاء أو أعداد الحيوانات المفترسة. تدعم الأدلة هذه الفرضية بوجود عدد أكبر من المفترسات في أسفل النهر، بالإضافة إلى انخفاض وفرة الغذاء عند قاعدة الشلالات.
تواصل الأبحاث في هذا المجال للكشف عن المزيد من أسرار هذه الظاهرة الفريدة. من المتوقع أن توفر الدراسات المستقبلية فهمًا أعمق لسلوك هذه الأسماك وتكيّفاتها البيولوجية، ولماذا تخاطر بكل هذا الجهد في رحلة شاقة كتسلق الشلالات. ستكون المراقبة المستمرة لهذه الكائنات خلال مواسم الفيضانات القادمة حاسمة للإجابة عن هذه التساؤلات.































