معرض «غابة الحرّية» لمارون الحكيم: رحلة نحو استعادة البداية
يستعرض معرض «غابة الحرّية» للفنان مارون الحكيم، المقام حاليًا في «ريبيرث بيروت»، رؤية فنية عميقة لمفهوم الحرية، حيث تتجسد في أعماله كفعل يومي متجدد وقرار فني يتشكل مع كل ضربة فرشاة. يقدم الحكيم من خلال لوحاته تجربة تشكيلية ثرية، تدعو المتلقي لاستكشاف مسارات الحرية عبر الطبيعة والمدينة والجسد والذاكرة، مع التأكيد على إمكانية استعادة البداية وتجديدها.
في انطباعه الأول، يلفت انتباه الزائر التدفق اللوني الكثيف والطبقات المتعددة من الرشقات والبقع السميكة التي تشبه انكسارات الضوء. يرى الفنان أن كل ضربة فرشاة تمثل قرارًا يفتح مسارًا غير متوقع، مولدًا مساحات جديدة على القماش. هذا النهج الفني يعكس فلسفة الحكيم حول اللون باعتباره “سليل الضوء” وروح اللحظة، والانفعال كدافع أولي يتجاوز حدود الحرفة ليلامس تقلبات الحياة.
الطبيعة والمدينة والجسد: محاور معرض «غابة الحرّية»
تتصدر الطبيعة المشهد في المعرض، مقدمةً بأسلوب شعري ورصين عبر عناوين مثل «رياض الألوان» و«تنهدات التراب». لا تقتصر الطبيعة عند الحكيم على التمثيل البصري التقليدي، بل تتحول إلى قوة مولدة للمعنى داخل اللوحة، تستمد جوهرها من اللون وتمنح التكوين طبقات دلالية تتجاوز المشهد الظاهر، لتنعكس في حقول لونية متوهجة وطبقات زرقاء وذهبية متحركة.
في المقابل، تستحضر المدينة في أعمال الحكيم، مثل «المدينة الصابرة» و«حرّاس المدينة الجريحة»، الواقع اللبناني بتشظياته وندوبه. يجسد الفنان الخوف وعدم الاستقرار والحروب، ولكنه يقابلها بصبر وتحدٍ وإيمان. تظهر الكتل المتكسرة وآثار العمران المتداعي، بينما تعود الحياة إلى السطح عبر نقاط لونية تخترق العتمة. تقترح اللوحات إعادة بناء المدينة بصريًا، ربما كعمارة جديدة في المخيلة قبل تجسيدها على أرض الواقع.
محور ثالث في المعرض يتمثل في حضور الجسد الإنساني، وخاصة الأنثوي، في أعمال مثل «ولادة حواء» و«جنة عدن». يضع الحكيم المرأة في مركز الفضاء كطاقة بدء وتجدد، مؤكدًا على أن الجسد يمتلك حقيقة مطلقة ورمزًا للبراءة الأولى. تظهر الأجساد في إحدى اللوحات كظلال تتلقى “المطر اللوني” دون أن تذوب فيه، في إشارة إلى تعلم الجسد كيف يعيش فيض التجربة مع الحفاظ على حدوده.
فلسفة الإبداع: الانفعال والخيال والهدنة
تمثل الغابة في المعرض مساحة كثيفة تلتقي فيها الطبقات والآثار، وتتقاطع فيها الرغبة مع الخوف، والذاكرة مع التطلع. عناوين كـ«مهرجان الضوء والماء» و«أحيك أريج الألوان» تشير إلى فلسفة قوامها الانفعال والخيال، الذي يعتبره الفنان «البصمة الشخصية» لعمله. يمر الخيال عند الحكيم عبر التحكم بالسطح، والصدمة البصرية، والإيقاع الداخلي للتكوينات.
يدعم الدكتور طوني كرم المعرض، مقدمًا الحكيم كأحد أركان الفن اللبناني، مع التركيز على البعدين النفسي والعاطفي في أعماله. يتحرك المعرض على محور داخلي – خارجي، حيث يتقدم الجسد برمزيته، وتنشغل المدينة بإعادة بنائها، وتضبط الطبيعة الإيقاع. يتضح من خلال ذلك فكرة “الهدنة” التي يسميها الفنان شرطًا للخلق، لحظة سكينة ضرورية لتمتد اليد نحو الحزن والقلق، ثم تعود لتلبس التجربة رداءها النهائي المبني على المعرفة والوعي الفني.
ماذا بعد؟
يقدم معرض «غابة الحرّية» مفهوم الحرية كشيء يُصنع ويُستعاد ويُجرَّب باستمرار. يترك المعرض المتلقي أمام تساؤل الحكيم الجوهري: «ما الفرح؟ ما المعاناة؟»، ويدعوه للمشي داخل جوابه. تستمر فعاليات المعرض، مع بقاء التساؤلات حول مدى انتشار هذه الرؤية الفنية وتأثيرها على المشهد الثقافي، خاصة في ظل التحديات المعاصرة.































