«كونتيسة الدم»… عودة أسطورة قديمة برؤية سينمائية معاصرة

في قلب فيينا الحديثة، تعود “كونتيسة الدم” الأسطورية لتجسد رؤية سينمائية معاصرة في فيلم يحمل اسمها، عُرض لأول مرة عالمياً في مهرجان برلين السينمائي. تظهر الكونتيسة من زمن آخر، مدفوعة بهدف غامض يتطلب منها فهم عالم جديد والسيطرة عليه.

تبدأ الكونتيسة رحلتها بالبحث المعقد عن كتاب خطير، قد يحمل في طياته القدرة على إنهاء الشر، بما في ذلك مصاصو الدماء أنفسهم، بمساعدة خادمتها المخلصة، في مفارقة درامية تضع الشخصيتين أمام احتمالات البقاء أو الزوال.

“كونتيسة الدم” الأسطورية: رحلة بين الماضي والحاضر

تتنقل الكونتيسة ومرافقتها عبر شوارع فيينا التاريخية ثم تتوسع الدائرة لتشمل بوهيميا. هذه الرحلة لا تقتصر على البحث الجغرافي، بل تتجه لاكتشاف عوالم مختلفة تتقاطع فيها الأزمنة والطبقات الاجتماعية، كاشفة عن تناقضات حادة بين الماضي والحاضر.

تستعين الكونتيسة بابن شقيقها، وهو مصاص دماء يواجه صراعاً داخلياً مع طبيعته، إلى جانب مُعالجه النفسي. هذا الثنائي يضيف بعداً إنسانياً وساخراً للأحداث، ويعكس محاولة لفهم الهوية والاختلاف ضمن إطار فانتازي.

يتتبع الكونتيسة ومرافقيها مجموعة من الشخصيات، من بينهم خبراء في مصاصي الدماء وضابط شرطة، سعياً لكشف حقيقتهم والسيطرة عليهم. هذه المطاردة تخلق توتراً مستمراً، حيث تتقاطع مسارات الصيادين والفريسة، ضمن لعبة مليئة بالمفارقات والسخرية السوداء.

الممثلة الفرنسية إيزابيل أوبير، بطلة الفيلم، أعربت عن حماسها للمشاركة في العمل نظراً لطبيعته المختلفة وتقديمها لشخصية مصاصة دماء للمرة الأولى في مسيرتها. أشارت أوبير إلى أنها فضلت الاقتراب من التجربة بعفوية ودون الاعتماد على مراجع جاهزة.

رؤية إخراجية معاصرة وأداء متفرد

أوضحت أوبير أن ما جذبها أكثر هو الرؤية الخاصة للمخرجة الألمانية أولريكه أوتينغر، التي منحت الفيلم طابعاً حراً بعيداً عن القوالب التقليدية. لم تُقدم الشخصيات من منظور نفسي صارم، بل داخل عالم أقرب إلى الحكاية أو الأسطورة، مما أتاح لأوبير مساحة واسعة للعب والتجريب.

وصفت أوبير شخصية “كونتيسة الدم” بأنها مليئة بالتناقضات، تحمل جانباً ساخراً وغامضاً في الوقت نفسه، مما جذبها إليها. أكدت أنها استمتعت بالتوازن بين القسوة واللعب في تقديم الدور.

وأضافت أوبير أن الحرية التي أتاحتها المخرجة، بالانخراط في العمل بخفة ومرونة دون التقيد بصرامة تفسير الشخصية، كانت من أهم أسباب قبولها الدور. أشارت إلى أن الطابع المسرحي للفيلم منحها مساحة أكبر في الأداء وحررها من النزعة الواقعية، وفتح المجال أمام الخيال.

وصفت أوبير مشاركتها في الفيلم بـ”المغامرة الفنية”، موضحة أن العمل يتحرك في مساحة “خارج الزمن”، ولا يرتبط بمرحلة محددة، بل يخلق عالماً خاصاً بين الواقع والخيال، وهو ما تعده جوهر السينما التي تبحث عنها. أكدت أن هذا الإحساس بالتحرر من الزمن جعلها تتعامل مع الشخصية بوصفها حالة أكثر منها بناءً نفسياً تقليدياً، وأن الأداء هنا قائم على الإحساس والحدس، لا على التحليل المباشر.

في ختام حديثها، أشارت أوبير إلى أن تجربة “كونتيسة الدم” تميزت بحالة من عدم اليقين داخل موقع التصوير، حيث لم يكن العمل يسير وفق قواعد ثابتة، بل كان يتشكل تدريجياً، مما منحها إحساساً حقيقياً بالمغامرة. أكدت أن هذا النوع من المشاريع يتطلب من الممثل أن يثق في اللحظة ويتخلى عن السيطرة، وهو ما يجعل التجربة أكثر حيوية وصدقاً. يُتوقع أن يستمر الاهتمام النقدي والجماهيري بهذا الفيلم، خاصة مع انتشار الأخبار حول رؤيته السينمائية الفريدة، وقد نشهد عروضاً إضافية في مهرجانات عالمية قادمة.