كشفت المخرجة المقدونية كوسارا ميتيتش، في مقابلة مع “الشرق الأوسط”، عن رؤيتها لفيلمها “17”، والذي انطلق من تساؤلات عميقة حول مرحلة المراهقة كنقطة تحول وقضايا العنف الخفي. يُعد هذا الفيلم الروائي الطويل الأول لميتيتش، وقد عُرِضَ لأول مرة في مهرجان برلين السينمائي، مقدماً دراما إنسانية تلامس هشاشة الشباب وتوتراتهم الداخلية. تؤكد ميتيتش أن اختيارها للنهاية المفتوحة يعكس ندرة إغلاق القصص في الحياة الواقعية، خصوصاً بعد التجارب الصادمة.
تدور أحداث فيلم «17» حول رحلة مدرسية بالحافلة من مقدونيا إلى اليونان، حيث يتحول المسار العادي إلى فضاء مشحون بالصراعات والضغوط بين الطلاب. مع تراجع سلطة المعلمين وتصاعد الفوضى، تجد البطلة سارة نفسها شاهدة على حادثة اعتداء تتعرض لها زميلتها لينا، مما يؤدي إلى تحولات نفسية عميقة تتكشف تدريجياً في الشخصيتين الرئيسيتين. الفيلم يستكشف كيف يمكن أن يظهر العنف في حياة المراهقين بأشكال غير واضحة، وغالباً ما يكون عادياً ومتكرراً إلى حد يجعله شبه غير مرئي، وتحديداً في المجتمعات ذات الطابع الأبوي.
رحلة البحث والإعداد لفيلم «17»
أوضحت ميتيتش أن فكرة الفيلم نشأت من سؤال أعمق حول مرحلة المراهقة، وكيف يمكن أن يواجه الشباب تجارب قاسية تتطلب نضجاً عاطفياً يفوق أعمارهم. قبل البدء بالتصوير، أجرت المخرجة فترة بحث مكثفة تضمنت لقاءات مطولة مع طلاب تتراوح أعمارهم بين 16 و18 عامًا. استمعت خلال هذه اللقاءات إلى قصصهم اليومية وتجاربهم مع العنف والضغوط الاجتماعية، والتي كشفت لها واقعاً أكثر تعقيداً مما كانت تتخيله، مما شكل الأساس للعمق الواقعي في فيلم «17».
تؤكد المخرجة أن ما جذبها في مرحلة المراهقة هو قدرة المراهقين على الصمت مبكراً، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بالعنف أو الصدمات التي غالباً ما يُطلب منهم التقليل من شأنها أو تجاوزها. هذا الصمت، حسب ميتيتش، يمكن أن يتحول إلى شكل آخر من أشكال العنف لأنه يمنع الضحايا من التعبير عن تجاربهم أو فهمها. يتتبع الفيلم رحلة مجموعة من الطلاب، ويسلط الضوء على هشاشة المراهقين وكيفية تعاملهم مع الصدمات الاجتماعية.
الصدمات غير المرئية وتأثيرها على الشباب
يُعنى فيلم «17» بإظهار النتائج الوخيمة للإهمال أو التجاهل في حياة الشباب، خاصة الفتيات. ففي البيئات التي تتجاهل الصدمات أو تتعامل معها ببرود، تتراكم آثارها بصمت وتظل غير مرئية لفترات طويلة. هذا التجاهل المجتمعي قد يؤدي إلى تفاقم الأوضاع النفسية، ويمنع الضحايا من طلب المساعدة أو التعبير عن معاناتهم، مما يجعله شكلاً من أشكال العنف غير المباشر.
الواقعية في اختيار الممثلين والأسلوب البصري
فيما يتعلق باختيار الممثلين، لم تبحث كوسارا ميتيتش عن ممثلين محترفين، بل سعت إلى مراهقين يحملون صدق التجربة ذاتها. استغرقت عملية الاختيار وقتاً طويلاً عبر اختبارات مفتوحة وحوارات متعددة، بهدف تكوين صف دراسي حقيقي. كان العديد من المشاركين طلاباً يعيشون تجارب قريبة من الشخصيات التي يؤدونها، مما منح الأداء عفوية وواقعية كبيرة لفيلمها «17». اعتمدت المخرجة بشكل كبير على بناء الثقة بين الممثلين وفريق العمل، وخضعوا لفترة تحضير طويلة قبل التصوير، مما أتاح لهم فهماً عميقاً للشخصيات.
أما عن الأسلوب البصري لفيلم «17»، فقد اختارت ميتيتش إبقاء الكاميرا قريبة من البطلة طوال الوقت تقريباً، غالباً على مستوى نظرها أو خلفها مباشرة. هذا الأسلوب يهدف إلى تجنب تحويل التجربة إلى مشهد مراقبة من الخارج، مما يسمح للجمهور بعيش الأحداث من منظور الشخصية نفسها. ومنح هذا الأسلوب الفيلم “إحساساً بالحميمية”، مع فرض حدود على ما يراه المشاهد، فمعرفته بالعالم تظل مرتبطة بما تعرفه الشخصية.
النهاية المفتوحة: انعكاس للحياة الواقعية
تعمدت المخرجة المقدونية أن تكون نهاية فيلم «17» مفتوحة وغير حاسمة، لأن الحياة الواقعية نادراً ما تقدم لحظات إغلاق واضحة بعد التجارب الصادمة. فضلت ميتيتش أن تنتهي القصة عند لحظة تحول داخلي لدى البطلة، وهي لحظة قرارها بالمواجهة وتحمل المسؤولية، في عالم يبدو فيه الجميع وكأنهم يفضلون تجاهل ما حدث أو التهرب منه. تعكس هذه النهاية فلسفتها حول ندرة الإغلاقات التامة في مسارات الحياة المعقدة، وربما تفتح الباب لتأملات وقصص مستقبلية للشخصيات.
من المتوقع أن يستمر فيلم «17» في جولاته بالمهرجانات السينمائية العالمية، مع إمكانية عرضه على منصات البث الرقمي قريباً. يترقب الجمهور والنقاد كيف سيتفاعل الفيلم مع شرائح أوسع من المشاهدين، خصوصاً في ظل تصاعد الحوارات حول قضايا المراهقين والعنف الخفي.
































