«أرشيف السودان للفن التشكيلي»… محاولة لتوثيق نصف قرن من الإنتاج البصري

في ظل تحديات الحفاظ على التراث الثقافي، يبرز مشروع أرشيف السودان للفن التشكيلي كمبادرة حيوية لتوثيق وحماية نصف قرن من الإنتاج البصري السوداني. أطلق المشروع العام الماضي من القاهرة، ويهدف إلى جمع وتصنيف وربط الأعمال الفنية ضمن سياق منظم، بهدف سد فجوة التوثيق القائمة في المشهد الفني السوداني.

يتناول المشروع الفن التشكيلي السوداني الممتد من عام 1975 إلى 2025، مع إشارة إلى أن البحث الأولي شمل فترة الخمسينات. هذه المبادرة، التي أطلقتها مؤسسة “ذا ميوز ملتي استوديوز” عام 2019، تسعى لمواجهة تحدي تشتت الأعمال الفنية التي تفتقر إلى نظام يربطها، مما يعيق فهم التاريخ البصري للبلاد.

أرشيف السودان للفن التشكيلي: بناء مرجع منظم

مديرة المشروع، ريم سيف الجعيلي، أشارت إلى أن فكرة الأرشيف ولدت من واقع الممارسة اليومية والاحتياج الواضح لتوثيق الفن السوداني. فقد كشفت تجربة المؤسسة في تنظيم المعارض والورش نقصاً حاداً في المصادر الموثوقة، مما ألهم فكرة إنشاء منصة شاملة تسمح بفهم الفن السوداني بدلاً من مجرد حفظه.

يعمل المشروع على تطوير منصة رقمية متقدمة، تتيح للمستخدمين إدخال البيانات وتوثيق الأعمال بشكل منهجي. تشمل هذه البيانات تاريخ الإنتاج، الخامات المستخدمة، والسياق الثقافي والاجتماعي المحيط بالعمل. يهدف هذا النهج إلى بناء شبكة من العلاقات بين الأعمال، مما يسهل قراءة التحولات الفنية عبر الزمن.

تحديات التوثيق في ظل الصراعات الراهنة

تأتي أهمية هذا المشروع الفني بشكل خاص في ظل الوضع الراهن في السودان، وما خلفته الحرب من فقدان وتدمير للعديد من الأعمال الفنية والوثائق. هذا الواقع يؤكد الحاجة الملحة إلى توثيق وحماية الإرث الثقافي المهدد بالضياع، في غياب بنية تحتية قادرة على احتوائه.

يركز الأرشيف الفني السوداني على أنواع معينة من الفنون البصرية، مثل الرسم، التلوين، التصوير، النحت، والطباعة. هذا التركيز هو جزء من استراتيجية لبناء هيكل منهجي قوي يمكن التوسع فيه لاحقاً، بدلاً من محاولة تغطية المشهد الفني بأكمله دفعة واحدة، مما قد يؤدي إلى تشتت مماثل لما يحاول المشروع معالجته.

بناء مجتمع تشاركي للفن السوداني

يشجع المشروع المساهمة الواسعة من الفنانين والباحثين، سواء عبر تقديم أعمالهم أو تزويد معلومات إضافية. يهدف هذا النهج التشاركي إلى توسيع قاعدة البيانات بشكل مستمر، مما يحول الأرشيف من مشروع مغلق إلى مساحة تفاعلية تعكس التنوع والثراء في المشهد الفني السوداني.

يتألف فريق عمل المشروع من نواة أساسية تضم 5 أفراد، بالإضافة إلى فريق موسع يصل إلى حوالي 10 أشخاص يعملون مباشرة على الأرشيف. تعتمد هذه الفرق على خبرات متخصصة في مجالات الفن والنقد، مع تأكيد على مراعاة حقوق الملكية الفكرية، حيث تطلب موافقة الفنانين وذويهم لتوثيق أعمالهم.

مستقبل الأرشيف ودوره في حفظ ذاكرة الأمة

حتى الآن، نجح المشروع في تسجيل بيانات نحو 40 فناناً بصرياً سودانياً، مع استمرار الجهود لإضافة المزيد في المرحلة المقبلة. هذا التوثيق الدقيق لا يقتصر على حفظ الأعمال فحسب، بل يهدف إلى إتاحة قراءتها ضمن سياقاتها التاريخية والاجتماعية، مما يعمق الفهم للتحولات البصرية ويساهم في بناء سردية فنية شاملة.

في الختام، يمثل هذا المشروع خطوة حاسمة نحو حفظ الذاكرة الفنية للسودان، خصوصاً في أوقات الأزمات. يستمر العمل على تطوير المنصة الرقمية والتوسع في جمع البيانات، ولكن التمويل المستقر والحماية المادية للأعمال الموثقة تبقى تحديات أساسية يجب معالجتها لضمان استمرارية هذا الإرث للأجيال القادمة.