غيّب الموت الفنانة الاستعراضية المصرية المعتزلة سهير زكي، السبت، عن عمر ناهز 81 عاماً، تاركةً وراءها إرثاً فنياً عظيماً وحزناً بالغاً في الأوساط الفنية وعشاق الرقص الشرقي الأصيل. ارتبط جمهور عريض بفنها الاستعراضي الذي ميزته بالرشاقة والإحساس العالي بالموسيقى، وشكلت أيقونة في عصرها الذهبي.
جاءت وفاة الراقصة سهير زكي بعد أزمة صحية ألمت بها، حيث نُقلت إلى أحد مستشفيات القاهرة ومكثت لأكثر من شهر، وخضعت لفحوصات مكثفة قبل دخولها العناية المركزة إثر مضاعفات التهاب رئوي حاد، لتفارق الحياة صباح اليوم، مسدلة الستار على مسيرة فنية حافلة بالإنجازات.
رحيل سهير زكي: إرث الراقصة الاستعراضية الاستثنائي
ولدت سهير زكي عبد الله في 4 يناير (كانون الثاني) 1945 بمدينة المنصورة، وتعود أصولها إلى صعيد مصر. بدأت رحلتها الفنية من الإسكندرية قبل أن تنتقل إلى القاهرة بحثاً عن فرص أوسع. صعدت لأول مرة على المسرح عام 1963، لترقص على أنغام أغنية «أنت عمري» لكوكب الشرق أم كلثوم، لتكون بذلك أول راقصة استعراضية تقدّم هذا الأداء، وهو ما أكدته في إحدى مقابلاتها التلفزيونية.
شكّلت مشاركتها في برنامج «أضواء المسرح» وعروضها في أماكن السهر البارزة نقطة تحول مفصلية في مسيرتها، لتصبح في فترة وجيزة من أبرز نجمات الرقص الشرقي في عصره الذهبي، مقدمة أسلوباً خاصاً بها يميزها عن الأخريات.
لم يقتصر ظهور الفنانة الراحلة على خشبات المسارح وشاشات السينما، بل امتد تأثيرها إلى القصور الرئاسية والمحافل السياسية الكبرى. فقد أحيت حفلات زفاف أبناء الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، وقدمت عروضاً استعراضية داخل قصر شاه إيران محمد رضا بهلوي، بالإضافة إلى رقصها أمام الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة، مما أكسبها لقب “راقصة الزعماء”.
شاركت سهير زكي في أكثر من 50 عملاً سينمائياً، جمعت فيها بين التمثيل والرقص، وأسست لأسلوب فريد تميز بالرشاقة والإحساس العميق بالموسيقى. ومن المواقف الطريفة التي تُذكر في مسيرتها إعجاب الرئيس الأميركي الأسبق ريتشارد نيكسون بأدائها خلال زيارة له للقاهرة، حيث أطلق عليها لقب «زغاريد» بعد أن فهم معنى الكلمة المرتبطة بالفرح والاحتفال في الثقافة العربية.
كما زارت سهير زكي موسكو بدعوة خاصة من وزير الدفاع السوفياتي الجنرال أندريه غريتشكو، في عهد الرئيس ليونيد بريجنيف، وهي الزيارة التي جاءت بعد إعجابه الكبير بأدائها في القاهرة عقب نكسة 1967. وارتبطت هذه الزيارة بالواقعة الشهيرة التي عُرفت في الأوساط السياسية والفنية باسم قصة «طبق الجيلي»، والتي وثقها الكاتب ياسر ثابت في كتابه «قبل الطوفان».
اعتزال في قمة المجد
كان فيلم «أنا اللي أستاهل» عام 1984 بمثابة مسك الختام لأعمالها السينمائية، قبل أن تتخذ قرار الاعتزال النهائي عن الفن في أوائل التسعينات. اختارت سهير الابتعاد عن الأضواء والتفرغ لحياتها الخاصة مع زوجها المصور والمخرج محمد عمارة، لتختتم مسيرة فنية حافلة بالعطاء.
يصف الناقد الفني المصري أحمد حسين صوان الراحلة بأنها «فنانة لا تُعوّض»، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «تمثل سهير زكي مدرسة (السهل الممتنع) في الرقص الشرقي؛ فقد ابتعدت عن المبالغة واعتمدت على الرقة والإحساس العالي بالموسيقى، مما جعل فنها الراقي مقبولاً ومرحبًا به في البيوت العربية خلال الستينات والسبعينات. ولم تكتفِ بذلك، بل تمردت بذكاء على النمط الكلاسيكي للرائدات مثل تحية كاريوكا وسامية جمال، لتبتكر أسلوبًا أكثر عصرية وسرعة يناسب جيلها. وتكتمل احترافيتها الاستثنائية بقرار اعتزالها الحاسم في قمة مجدها منتصف الثمانينات للتفرغ لأسرتها، لتضمن بقاء صورتها متوهجة في ذاكرة الجمهور».
تبقى سهير زكي أيقونة خالدة في تاريخ الرقص الشرقي، وسيظل إرثها الفني مصدر إلهام للأجيال القادمة، لتذكرنا بجمال الأداء والرقي الفني الذي قدمته على مدار مسيرتها الطويلة. وتتواصل التفاعلات في الأيام القادمة لتوثيق المزيد من ذكرياتها وتأثيرها على الفن والجمهور.






























