يُعد التغلب على السمنة تحديًا كبيرًا، حيث يواجه الكثيرون صراعًا طويلًا لمنع استعادة الوزن بعد فقدانه بنجاح. أظهرت دراسة حديثة أن الخلايا الدهنية تحتفظ بـ”ذاكرة” السمنة لفترة طويلة، مما يعرقل جهود الحفاظ على الوزن. تشير هذه الظاهرة التي تُعرف بـ”انتكاس السمنة” إلى أن الأمر يتجاوز الإرادة الفردية.
اكتشف باحثون بريطانيون أن الخلايا الدهنية والخلايا المناعية يمكن أن تحتفظ بذاكرة السمنة، مما يزيد من خطر عودتها والأمراض المرتبطة بها لمدة تصل إلى عشر سنوات بعد فقدان الوزن. نُشرت هذه الدراسة في مجلة “EMBO Reports” في 27 أبريل الماضي، وتُلقي الضوء على آلية “مثيلة الحمض النووي” التي تغير نشاط الجينات دون المساس بتسلسلها.
التخلص من السمنة: تحديات الذاكرة الشحمية
السمنة أصبحت مشكلة صحية عالمية رئيسية، ويزداد انتشارها باطراد في جميع أنحاء العالم. تُشير تقارير الاقتصاد الطبي إلى نمو هائل في سوق إدارة معالجة السمنة عالميًا، متوقعًا أن يتجاوز 100 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2030، وقد يصل قطاع إدارة الوزن الإجمالي إلى أكثر من 390 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2035.
تتجاوز التكاليف العالمية المرتبطة بالسمنة، بما في ذلك الرعاية الصحية والخسائر الإنتاجية، 4 تريليونات دولار أمريكي بحلول عام 2035. ففي الولايات المتحدة وحدها، قُدرت التكاليف الطبية المرتبطة بالسمنة بنحو 173 مليار دولار أمريكي سنويًا اعتبارًا من عام 2019، مما يؤكد التأثير الاقتصادي الهائل لهذه المشكلة الصحية.
تُعد السمنة نتيجة لزيادة كتلة الشحوم في الجسم، وليس لزيادة كتلة العضلات أو الماء. فهم خصائص الأنسجة الشحمية وأنواع الخلايا الدهنية وكيفية تراكم الدهون فيها، أمر حيوي للتعامل مع هذه المشكلة بفعالية. الأنسجة الشحمية، المعروفة أيضًا بشحوم الجسم، هي أنسجة ضامة تنتشر في جميع أنحاء الجسم.
الذاكرة الدهنية ودورها في استعادة الوزن
توجد الدهون تحت الجلد وبين الأعضاء الداخلية وفي تجاويف العظام. تتمتع الأنسجة الشحمية بقدرة على تخزين الدهون وإطلاقها عند الحاجة. بالإضافة إلى ذلك، فهي نسيج ديناميكي له وظائف مهمة في تنظيم صحة الجسم بشكل عام، بما في ذلك العزل الحراري، وإنتاج الحرارة، وحماية الأعضاء، والعمل ضمن منظومة الغدد الصماء.
تُفرز الأنسجة الشحمية هرمونات مثل اللبتين، الذي يتحكم في الشهية، والأديبونكتين، الذي ينظم مستوى الجلوكوز. تُشكل الخلايا الدهنية، أو الخلايا الشحمية، ما يشبه بالونًا من الدهون، حيث تُخزّن الطاقة على شكل دهون ثلاثية، وتُشغل هذه القطرة الدهنية 95% من حجم الخلية.
تُعيد الخلايا الدهنية تدوير محتواها الدهني 6 مرات خلال دورة حياتها، مما يعني أن جزيئات الدهون تبقى في الخلية لمدة 18 شهرًا تقريبًا. يتم إعادة تدوير الدهون بشكل أسرع لدى الشباب والأصحاء، بينما يكون أبطأ لدى مرضى السكري وكبار السن.
تستطيع الخلايا الدهنية التمدد بمقدار 3000 ضعف حجمها الطبيعي، مما يسمح لها بتخزين أكثر من 100000 سعر حراري. يتسبب هذا التمدد في تكسير النسيج الضام المحيط، مما قد يؤدي إلى ترهل الجسم. يُمكن للحركة الكثيرة تحفيز نمو خلايا الكولاجين وتثبيط نمو الخلايا الدهنية، مما يساعد في الحفاظ على تماسك الجسم.
عدد الخلايا الدهنية لدى البالغين يبقى ثابتًا بشكل عام، وتعيش الخلية الدهنية الواحدة 10 سنوات في المتوسط قبل أن يتم استبدالها. يتحدد العدد الإجمالي للخلايا الدهنية إلى حد كبير خلال الطفولة والمراهقة. عندما يكتسب البالغون مزيدًا من الوزن، تتضخم الخلايا الدهنية الموجودة، وعند وصولها لسعتها القصوى، يمكن أن تتكون خلايا دهنية جديدة، خاصة في حالات السمنة المفرطة، أو بعد شفط الدهون.
لا تختفي الخلايا الدهنية أبدًا؛ بل يتقلص حجمها عند فقدان الوزن، لكنها تبقى موجودة في الجسم، وتنتظر تخزين السعرات الحرارية الزائدة مرة أخرى. هذا هو أحد الأسباب الرئيسية لسهولة استعادة الوزن بعد فقدانه.
أنواع الخلايا الدهنية ودورها في تراكم وحرق الشحوم
توجد ثلاثة أنواع رئيسية من الخلايا الدهنية: الخلايا الدهنية البنية، والخلايا الدهنية البيضاء، والخلايا الدهنية البيج/الفاتحة. لكل نوع أماكن طبيعية للتراكم ووظائف فسيولوجية مختلفة.
الخلايا الدهنية البنية مهمتها الأساسية حرق الدهون لإنتاج الطاقة وتوليد الحرارة، وتنشط بشكل أساسي عند الرضع. تُشكل الشحوم البيضاء حوالي 20% من كتلة الجسم لدى الذكور وحوالي 25% لدى الإناث من ذوي الوزن الطبيعي، وتتراكم بشكل رئيسي تحت الجلد.
تُعد الشحوم الصفراء الأكثر ضررًا عند تراكمها حول الأعضاء الداخلية في البطن، وتُسمى الشحوم الحشوية. أما الشحوم البنية، فهي تشكل نسبة قليلة من كمية الشحوم لدى البالغين، ولكنها قادرة على حرق ما بين 400 و500 سعر حراري في اليوم عند تنشيطها، مما يساعد في خفض الوزن.
عندما يفقد الإنسان الشحوم، فإن الدهون تختفي بشكل أساسي من خلال عملية تأكسد الدهون، وذلك ضمن عمليات التمثيل الغذائي لإنتاج الطاقة وثاني أكسيد الكربون والماء. يتم إخراج معظم الدهون على شكل ثاني أكسيد الكربون عبر الرئتين، و16% على شكل ماء، مما يجعل الرئتين العضو الرئيسي لفقدان الدهون.
الطريقة الأكثر فعالية للتخلص من الدهون هي حرقها عبر تناول سعرات حرارية أقل مما يحتاجه الجسم، مما يجبر الجسم على استخدام الدهون المخزنة. ورغم أن الخلايا الدهنية لا تختفي، فإن حجمها يتقلص عند حرق الدهون، لكنها تظل في الجسم، مما يؤكد أهمية الحفاظ على نمط حياة صحي لمنع انتكاس الوزن.
































