يواجه مستخدمو فيسبوك مشكلة متفاقمة في “الاحتيال الصحي”، حيث وثّقت دراسة حديثة مئات الآلاف من الإعلانات المضللة التي تروّج لمنتجات صحية غير مرخصة وخطيرة. تكشف هذه الإعلانات، التي تستهدف بشكل خاص المستخدمين الأوروبيين، عن ثغرات كبيرة في سياسات المنصة، مما يعرض صحة وحياة الأفراد للخطر، مع استغلال المحتالين لنقاط ضعف الفئات الأكثر عرضة.
ركز التقرير الصادر عن منظمة “ريسَتْ تك” غير الربحية، على الفترة بين عامي 2023 و2026، كاشفاً عن استخدام فيسبوك كمنصة رئيسية لنشر هذه الإعلانات. ورغم تأكيد “ميتا” على إزالة الإعلانات والحسابات المخالفة، إلا أن التقرير يشير إلى بطء وعدم اتساق في تطبيق السياسات، مما يسمح باستمرار هذه الممارسات الاحتيالية.
تفاقم الاحتيال الصحي على فيسبوك وسياسات “ميتا” المتضاربة
كشف تقرير حديث لمنظمة “ريسَتْ تك” أن فيسبوك يشهد انتشارًا واسعًا لـ الاحتيال الصحي عبر مئات الآلاف من الإعلانات المضللة. هذه الإعلانات تروج لمكملات غذائية وعلاجات غير مرخصة لأمراض خطيرة، مستغلة ضعف المستخدمين وتتجاوز سياسات فيسبوك المعلنة.
الباحثون وثقوا أكثر من 350 ألف إعلان يروّج لـ 390 مكملاً غذائياً غير مرخص في الاتحاد الأوروبي وحدها. هذه المنتجات، مثل علاجات السكري التي تدعي الشفاء خلال أيام، تعتبر في كثير من الأحيان غير قانونية أو مصنفة كخطيرة من قبل السلطات الصحية. المشكلة، بحسب التقرير، عالمية وليست مقتصرة على منطقة محددة.
على الرغم من وجود سياسات فيسبوك التي تحظر الإعلانات التي تدعي علاج الأمراض المستعصية، إلا أن تطبيق هذه السياسات “غير متسق ومتأخر”، كما ذكر التقرير. فالحسابات الناشرة لهذه الإعلانات غالباً ما سُمح لها بالبقاء نشطة، مما يسهم في استمرار نشر آلاف الإعلانات التي تروّج لعلاجات غير مثبتة لأمراض مثل السرطان وارتفاع ضغط الدم.
ألكسندرا أتاناسوفا، الباحثة في “ريسَتْ تك”، أشارت إلى أن المحتالين “يستغلون بذكاء نقاط ضعف الأشخاص الأكثر عرضة للخطر”. هذا الاستهداف الدقيق يزيد من احتمالية وقوع المستخدمين في فخ هذه الادعاءات المضللة، والتي قد تؤدي إلى مخاطر صحية جسيمة.
دانيل روبرتس، المتحدث باسم “ميتا”، أكد أن الشركة أزالت الإعلانات والصفحات المخالفة لسياساتها، مشدداً على أن “ميتا” لا تسمح بالإعلانات المضللة التي تدعي علاج الأمراض وتحظر الترويج للمنتجات غير الآمنة. ومع ذلك، تشير أتاناسوفا إلى أن المشكلة أعمق من إزالة الإعلانات الفردية.
تحديات رصد المحتالين واستجابة “ميتا”
تكمن الصعوبة في أن العديد من هذه الإعلانات لا تُنشر بواسطة أفراد عاديين، بل من شبكات حسابات تستخدم أسماء مستخدمين متشابهة وشعارات إعلانية مطابقة. لذا، فإن الإزالة الفردية للإعلانات دون حظر الشبكة الأساسية، تسمح للمحتالين بإعادة نشر إعلانات جديدة بسرعة. بحسب كورنيليوس هيرش من “ريسَتْ تك”، هذه الحسابات “تطلق مئة إعلان جديد في اليوم التالي”.
في عام 2022، واجهت “ميتا” انتقادات واسعة لتعاملها مع المحتوى المضلل. وقد ألغت برنامج التحقق من الحقائق التابع لفيسبوك في الولايات المتحدة، معلنةً اعتمادها على المستخدمين للإبلاغ عن المعلومات الكاذبة، وهو ما يثير تساؤلات حول فعالية هذه الاستراتيجية في مكافحة الاحتيال الصحي.
رفع كل من “اتحاد المستهلكين الأميركي” ومكتب المدعي العام لجزر فيرجن الأميركية دعاوى قضائية ضد “ميتا” بتهمة السماح بانتشار الإعلانات الاحتيالية على فيسبوك وإنستغرام. روبرتس رد على هذه الادعاءات بأنها “تشوّه حقيقة عملنا” وأن الشركة “ستدافع عنها”.
من غير الواضح بالضبط عدد الأشخاص الذين تأثروا بهذه الإعلانات. التقرير يشير إلى أن الإعلانات وصلت إلى 878 مليون مستخدم في الاتحاد الأوروبي. حتى لو كانت نسبة قليلة منهم قد اشترت المنتجات، فإن المخاطر الصحية جسيمة. على سبيل المثال، احتوت بعض منتجات إنقاص الوزن المعلن عنها على أدوية تم سحبها بسبب زيادة خطر النوبات القلبية والسكتات الدماغية، بالإضافة إلى مواد كيميائية قد تسبب السرطان.
الباحثون وجدوا عشرات الآلاف من الإعلانات التي تستهدف الأمراض المزمنة مثل السكري والصدفية، وإعلانات لمنتجات إنقاص الوزن تستخدم صور “قبل وبعد” خادعة، جميعها مخالفة لقواعد الإعلان الخاصة بـ “ميتا”. المشكلة ليست حصرية لفيسبوك، حيث وجدت إعلانات مشابهة على “غوغل”، التي أكدت اتخاذها “إجراءات واسعة النطاق” لمنع الاحتيال.
يعتقد الباحثون أن حجم المشكلة أكبر على فيسبوك بسبب انخفاض تكلفة الإعلانات وسهولة استهداف فئات محددة من المستخدمين. كما أشاروا إلى أن قاعدة بيانات “ميتا” العامة للإعلانات المدفوعة أكثر شفافية، مما سهل عليهم اكتشاف هذه الممارسات الاحتيالية.
يواجه المحتالون أيضًا سبلًا للتهرب من الرصد، مثل تصغير الإعلانات ووضعها ضمن صور أكبر تبدو غير ضارة، أو إخفائها في نهاية سلاسل طويلة من الإعلانات العادية. هذا يشير إلى حاجة “ميتا” لتطوير آليات رصد أكثر تعقيداً وديناميكية لمواجهة هذه الأساليب المتطورة من الاحتيال الصحي.
في الفترة القادمة، سيكون من المهم مراقبة استجابة “ميتا” لهذه الادعاءات، وكيف ستتطور سياساتها وآلياتها لمكافحة هذه الظاهرة. مع استمرار الضغط من المنظمات غير الربحية والهيئات القانونية، قد تضطر الشركة إلى اتخاذ خطوات أكثر جذرية لضمان سلامة مستخدميها.































