التقدُّم في العمر والشيخوخة لا يعنيان حتمية التدهور البدني والذهني

طور مهندسون في الطب البيولوجي بجامعة براون ضمادة ذكية جديدة تطلق المضادات الحيوية فقط عند اكتشاف بكتيريا ضارة في الجروح. يهدف هذا الابتكار إلى تسريع عملية شفاء الجروح وتقليل الاستخدام غير الضروري للمضادات الحيوية، وهو عامل رئيسي في تفاقم مشكلة مقاومة المضادات الحيوية وظهور “البكتيريا الخارقة”.

نُشرت نتائج الدراسة التي توضح فعالية هذه المادة في عدد 20 مارس (آذار) الماضي من مجلة «التطورات العلمية» (SCIENCE ADVANCES). تمثل هذه الضمادة خطوة مهمة نحو مكافحة العدوى البكتيرية المقاومة للمضادات الحيوية التي تهدد الصحة العامة عالمياً.

ضمادة ذكية لمكافحة مقاومة المضادات الحيوية

المادة الجديدة عبارة عن هيدروجيل ذكي (Smart Hydrogel) محمَّل بمضاد حيوي، يتميز بحساسيته لإنزيم تنتجه البكتيريا الضارة التي تصيب الجروح. عند وجود هذا الإنزيم، يبدأ الهيدروجيل بالتحلل ليطلق المضادات الحيوية، بينما يبقى سليماً في غياب هذه البكتيريا، محتفظاً بالدواء بأمان.

قالت الدكتورة أنيتا شوكلا، الأستاذة بجامعة براون وقائدة فريق البحث: «تُعدُّ مقاومة المضادات الحيوية مشكلة صحية عالمية رئيسية، لذا نحتاج إلى أساليب أفضل لاستخدامها. لقد طوَّرنا مادة تُطلق المضادات الحيوية فقط عند وجود بكتيريا ضارة، ما يحدُّ من التعرض غير الضروري للمضادات الحيوية». أظهرت التجارب الأولية أن الهيدروجيل يتمتع بانتقائية عالية تجاه الإنزيمات التي تنتجها البكتيريا الشائعة المسببة لعدوى الجروح، وقد يحسن من إزالة العدوى والتئام الجروح.

تتكون الهيدروجيلات من الماء وجزيئات بوليمرية طويلة ترتبط بواسطة روابط متقاطعة. في هذه المادة الجديدة، استخدم الباحثون رابطاً متقاطعاً يتحلل عند ملامسته لإنزيمات «بيتا لاكتاماز» (Beta-Lactamases)، التي تنتجها أنواع عديدة من البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية. يسمح هذا التحلل بتفكك بنية الهيدروجيل وإطلاق المضاد الحيوي الموجود بداخله.

أكدت التجارب التي أجريت في أطباق بتري أن المادة تتحلل فقط في وجود بكتيريا ضارة تنتج إنزيم «بيتا لاكتاماز». وعندما تواجدت المادة مع بكتيريا غير ضارة لا تنتج هذه الإنزيمات، بقيت المادة سليمة. هذا يضمن عدم إطلاق المضادات الحيوية إلا عند الضرورة القصوى، مما يقلل من فرص ظهور مقاومة المضادات الحيوية على المدى الطويل.

تكتسب هذه الانتقائية أهمية بالغة، فهي تعني أن إطلاق المضادات الحيوية لا يحدث إلا بحضور البكتيريا الضارة المسببة للعدوى، مما يقلل بشكل كبير من تعرض الميكروبات الطبيعية الموجودة على الجلد للمضادات، وبالتالي يحد من تطور البكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية. كما أظهرت الدراسة أن المادة تحتفظ بالمضادات الحيوية المحملة بها بإحكام حتى يتم تحفيز تحللها.

تشير الإحصائيات الطبية إلى أن أكثر من مليون شخص يموتون سنوياً حول العالم نتيجة للعدوى بالبكتيريا المقاومة للمضادات الحيوية. ويتوقع أن تتفاقم المشكلة لتصل إلى نحو 10 ملايين حالة وفاة سنوياً بحلول عام 2050 إذا لم يتم اتخاذ خطوات للحد من الاستخدام المفرط للمضادات الحيوية.

اختتم الباحثون بالقول: «نتائجنا تشير إلى أن هذه الهيدروجيلات الذكية المستجيبة للإنزيمات البكتيرية لديها القدرة على توفير استئصال مستهدف للعدوى عند الحاجة، مع تقليل التعرض غير الضروري للمضادات الحيوية». وأضافوا: «من خلال إطلاق المضاد الحيوي فقط في وجود البكتيريا المنتجة لإنزيم «بيتا لاكتاماز»، يوفر نظام الهيدروجيل الخاص بنا علاجاً فعالاً مع تقليل قابلية الإصابة بمقاومة المضادات الحيوية».

تطبيقات الضمادات الذكية في الرعاية الصحية

في العمليات الطبية الجراحية، يُعتبر الحفاظ على نظافة الجروح أمراً حيوياً لمنع العدوى. تتضمن العناية بالجروح الجراحية استخدام الضمادات المعقمة التي تحافظ على نظافة الجرح وجفافه وتوفر بيئة مثالية للشفاء. ومع ذلك، قد تحدث التهابات رغم أفضل الممارسات، مما يستدعي استخدام المضادات الحيوية بشكل عام.

هنا تبرز إمكانات الضمادات الذكية التي طورتها جامعة براون، فقد تكون مكملاً هاماً للرعاية بعد الجراحة. فعند ظهور أي علامات أولية لالتهاب ميكروبي، يمكن لهذه الضمادات أن تستجيب تلقائياً لإطلاق العلاج المستهدف، مما يعزز فعالية الشفاء ويقلل من المخاطر المرتبطة بالعدوى.

بالتوازي مع الابتكارات في علاج الجروح المعقدة، يُشدد دائماً على أهمية الخطوات الأساسية في الإسعافات الأولية للجروح والخدوش البسيطة التي يمكن علاجها في المنزل. هذه الخطوات تشمل غسل اليدين، وقف النزيف، تنظيف الجرح، استخدام مرهم مضاد حيوي أو الفازلين، وتغطية الجرح بضمادة نظيفة مع تغييرها بانتظام. ومع ذلك، ينصح بالتوجه إلى الطبيب عند ظهور علامات العدوى أو إذا كان الجرح عميقًا ويتطلب لقاح الكزاز.

تفتح هذه الضمادة الذكية آفاقاً جديدة في رعاية الجروح، ويبقى السؤال حول مدى سرعة توفرها تجارياً وتأثيرها الفعلي على معدلات مقاومة المضادات الحيوية في البيئات السريرية المختلفة. من المتوقع أن تشهد السنوات القادمة المزيد من الأبحاث لتوسيع نطاق تطبيق هذه التكنولوجيا واختبارها على نطاق أوسع.