في تحول سياسي واقتصادي لافت، تصدر رجل الأعمال الشاب علي الزيدي المشهد العراقي، مكلفًا بتشكيل الحكومة التاسعة منذ عام 2003. هذه الخطوة تمثل “إزاحة جيلية” بارزة في القيادة العراقية، حيث يتسلم الزيدي دفة الحكم من جيل السياسيين المخضرمين. يأتي تكليف الزيدي، المتزوج من ابنة شقيق الزعيم الشيعي البارز مقتدى الصدر، في ظل ضغوط دولية وتحديات اقتصادية وسياسية متصاعدة يواجهها العراق.
علي الزيدي، المولود في قرية بمحافظة ذي قار عام 1985، نشأ ليصبح من رواد الأعمال البارزين في عراق ما بعد 2003، محققًا ثروة كبيرة في مجالات المال والأعمال. لم يشارك الزيدي في المشهد السياسي الفعلي خلال سنوات تكوينه الأولى، لكنه اكتسب خبرة واسعة عبر رئاسته لعدة مؤسسات رائدة مثل “الشركة الوطنية القابضة”، و”جامعة الشعب”، و”معهد عشتار الطبي”، و”مصرف الجنوب”.
علي الزيدي: من المال والأعمال إلى رئاسة الحكومة
يمثل صعود علي الزيدي من عالم المال والأعمال إلى سدة الحكم نقطة تحول مفصلية. فقد تجاوز الزيدي جيل السياسيين التقليديين الذين احتكروا السلطة منذ سقوط نظام صدام حسين، ليصبح رمزًا لـ”جيل الأبناء” الذي يطمح إلى قيادة جديدة. لم يكتف الزيدي بنجاحه الاقتصادي، بل حرص على تعزيز تحصيله الأكاديمي، حيث حصل على درجتي بكالوريوس وماجستير في المالية والمصرفية، بالإضافة إلى إجازة في القانون.
يأتي تكليف الزيدي نتيجة عوامل متعددة، أبرزها “فيتو” الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على ترشيح رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي. هذا الرفض فتح الباب أمام قوى “الإطار التنسيقي” الشيعية للبحث عن بديل، فوجدت في الزيدي وجهًا جديدًا يحظى بقبول أمريكي واسع، ويُعتبر خيارًا يرضي الأطراف المحلية والإقليمية والدولية.
تُظهر هذه الخطوة أن واشنطن ما زالت تلعب دورًا محوريًا في تحديد مسار السياسة العراقية، وإن كان ذلك بشكل غير مباشر. فبعد أن كانت الولايات المتحدة داعمة لـ”جيل الآباء” من السياسيين بعد 2003، يبدو أنها الآن تدعم “جيل الأبناء” الذي يمثله علي الزيدي، للخروج من دهاليز السياسة التقليدية نحو التركيز على مصالح المال والأعمال والتنمية.
تحديات كبرى بانتظار الحكومة الجديدة
يواجه العراق تحديات اقتصادية ومالية وتنموية جسيمة، تتمثل في الاعتماد الكلي على مبيعات النفط، والمديونية العالية، وتزايد أعداد الموظفين الحكوميين. يمتلك علي الزيدي بحكم خلفيته الاقتصادية رؤية قد تكون مختلفة لمعالجة هذه المشكلات، لكنه سيتعين عليه التغلب على عقود من المحاصصة السياسية والطائفية التي أثقلت كاهل الدولة والمواطن.
تُعد “الإزاحة الجيلية” التي يمثلها الزيدي بمثابة كسر للقواعد والسياقات السياسية السائدة منذ عقود. لم يكن هذا الانتقال في السلطة قسريًا ظاهريًا، بل بدا سلسًا أمام عدسات الكاميرات، بابتسامات ظاهرية تخفي ربما حسرات دفينة لدى من يعيشون على هامش المشهد السياسي. هذه اللحظة تركت انطباعًا بأن القيادة العراقية تحتاج إلى تغيير جذري.
تثير هذه التطورات تساؤلات حول مدى قدرة الزيدي على إعادة بناء الثقة بين الشعب والحكومة، وتحقيق الاستقرار الاقتصادي المنشود. فبقبول واسع من الأطراف الدولية وإشادة داخلية وإقليمية، يتمتع الزيدي بفرصة فريدة لإثبات أن “جيل الأبناء” قادر على صياغة مستقبل مختلف للعراق، يتجاوز النماذج السياسية السابقة.
الزيدي وتوقعات المرحلة القادمة
بينما يترقب الجميع الخطوات الأولى لرئيس الوزراء المكلف علي الزيدي لتشكيل حكومته، يتوقع أن تركز أجندته على الجانب الاقتصادي والتنموي. السؤال الأهم هو ما إذا كان سيتمكن من تحقيق تغيير حقيقي في بلد يعاني من تداعيات سنوات طويلة من الصراعات والفساد. يترقب الشارع العراقي والعالم أجمع مدى قدرة الزيدي على تحقيق التوازنات السياسية المعقدة، والعمل على بناء دولة مؤسسات قوية.































