«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

صراع الجبابرة في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وصل “صراع الجبابرة” في الشرق الأوسط إلى مفترق طرق حاسم، مدفوعاً بتطورات استراتيجية ومعقدة. اغتيال المرشد السابق علي خامنئي، باتباع أسلوب “الصدمة والرعب”، قاد المنطقة نحو حرب تداعياتها غير واضحة، وفرض مواجهة مباشرة مع النظام الإيراني الذي فقد صورته الرادعة. هذا الصراع المتزايد بين المشاريع الإقليمية، الذي تراوح بين الاشتباك والتوافق، يواجه الآن تحديات مفصلية.

المشروع الذي مثله خامنئي، والذي امتد نفوذه لعقود عبر أربع عواصم عربية، واجه انتكاسات متتالية في العقد الأخير بعد بلوغه ذروته التوسعية عقب “الربيع العربي”. هذا التوسع استنزف موارد محدودة، ولفت انتباه الولايات المتحدة وإسرائيل، مما عزز رغبتهما في التصدي له. استحالة استمرار هذا التعايش دفعت بالمنطقة نحو صدام حتمي، وهو ما لم تتعامل معه الإدارة الأمريكية الحالية بالصبر الاستراتيجي المعهود للقوى العظمى.

من يتخذ القرار في إيران؟

في غضون ذلك، يسود الغموض حول صناعة القرار في طهران، التي يبدو أنها تدفع ثمن تبعات اغتيالات شخصيات بارزة بدأت بسليماني وصولاً إلى نصر الله. مع اغتيال المرشد السابق، الذي كان يجيد اللعب على حافة الهاوية لتحقيق توازن بين التيارات المختلفة، تواجه إيران الآن سياسة ردعية جديدة. المرشد الجديد، مجتبى خامنئي، لا يكرس فقط إشكالية التوريث، بل يعزز دور المؤسسات الأمنية على حساب الدينية. يبقى مصير انتقال السلطة، وولاء مراكز القرار، وتوازن القوى في طهران، محل تساؤلات جوهرية.

توازن يشابه الردع

اعتقدت واشنطن أن تكلفة الردع الإيراني منخفضة بما يكفي لتبرير التدخل العسكري، مما دفعها وإسرائيل للاعتقاد بأن الوسائل العسكرية أكثر جدوى من الدبلوماسية. كان هذا سوء تقدير في حسابات الردع، حيث دمرت أمريكا القدرات العسكرية التقليدية لإيران، لكنها لم تنجح في وقف قدرتها على إطلاق الصواريخ الباليستية أو تقييد الملاحة في مضيق هرمز. طهران استخدمت المضيق كورقة ضغط اقتصادية، مما تسبب في اضطراب كبير في سلاسل الإمداد العالمية.

استراتيجية الردع الإيرانية مرت بمراحل، كان الهدف الأول هو بقاء النظام ومنع الانهيار الداخلي. مع فراغ منصب المرشد، انخرطت المنظومة الأمنية في ردع غير مسبوق، واعتبرت طهران الحرب مسألة وجودية. في المرحلة الثانية، سعت الاستراتيجية الإيرانية إلى زيادة تكلفة الحرب على واشنطن والاقتصاد العالمي، مع التركيز على “مصداقية الردع” لمنع الانهيار الداخلي وفقدان المصداقية لدى الوكلاء.

وساطة عبر 3 مسارات

تشير مصادر دبلوماسية عربية إلى جهود وساطة متقدمة تقودها باكستان ومصر وتركيا عبر ثلاثة مسارات داخل النظام الإيراني: “الحرس الثوري”، ووزارة الخارجية، ورئيس البرلمان. تستخدم هذه الدول قنواتها الخاصة، حيث أنها لم تتعرض لهجمات إيرانية. كما توجد عروض أمريكية متقدمة لإيجاد حل وسط، لكن الضغط الزمني الأمريكي يتعارض مع حاجة إيران لبعض الوقت للتواصل والتشاور.

وكلاء إيران والمواجهة الكبرى

شهدت أذرع إيران الإقليمية مرحلة جديدة في المعركة الحالية، حيث انخرطت بعد أن ظلت على الحياد في بداية الحرب. تعرضت هذه الأذرع لضربات مستهدفة، كما قلصت العقوبات الأمريكية موارد إيران. يبدو أن الاستراتيجية الإيرانية تركز على توسيع الساحات، مع تنسيق غير مسبوق في عمليات إطلاق الصواريخ بين “الحرس الثوري” و”حزب الله” و”الحشد الشعبي”.

“حزب الله” يقاتل بترسانة محدودة وبيئة شعبية منهكة، بينما “الحشد الشعبي” العراقي، الذي كان يتجنب المواجهة المباشرة مع القوات الأمريكية، بدأ يستهدف المصالح الأمريكية، مما يغير معادلة الردع الأمريكي وقد يعزز النفوذ الإيراني في العراق.

ساحات قتال محلية

تنعكس التطورات الإقليمية في توتر أمني وسياسي بين واشنطن وطهران في لبنان والعراق. الأزمة السياسية في لبنان مستمرة، بينما الصراع الأمريكي-الإيراني أكثر حدة في العراق. الوضع مختلف في غزة واليمن؛ حيث أدارت إدارة ترامب جبهة غزة نسبيًا، بينما حافظ الحوثيون على موقف حياد نسبي، مع الاحتفاظ بهم كورقة تهديد للبحر الأحمر.

ماذا بعد الحرب؟

يبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كانت طهران ستصر على شمول “حزب الله” في أي مفاوضات لإنهاء الحرب، أم ستترك إسرائيل تتعامل معه بشكل منفصل. سيكون هذا اختبارًا لعلاقة النظام الإيراني الجديد مع وكلائه. حتى لو توقفت الحرب مع إيران، فإن الضغوط الأمريكية-الإسرائيلية ستستمر على وكلائها. لا المواجهة بين إيران وإسرائيل ولا الهدنة بينهما ستعالج الأزمات المحلية في البلدان المتأثرة.

تغيرت السرديات، والتركيز أصبح على السيطرة على مضيق هرمز بدلاً من تغيير النظام الإيراني. الجمود الدبلوماسي في الملف النووي ينعكس الآن جمودًا عسكريًا، والخيار يتراوح بين إيجاد حلول عقلانية أو الانتقال إلى خيارات أكثر دراماتيكية. يكمن مصلحة روسيا والصين في عدم انتصار ترامب وسيطرته على منابع الطاقة وطرق الإمداد. نصف تدخل عسكري أمريكي مع تردد في التورط يمنح أفضلية للنظام الإيراني في المدى المنظور.