واحدة من أكبر مدن العالم تغرق… وملايين السكان مهددون

تواجه مدينة مكسيكو، إحدى أكبر الحواضر في العالم، خطرًا بيئيًا متصاعدًا قد يهدد بنزوح ملايين السكان. تعاني هذه المدينة الضخمة من ظاهرة خطيرة تتمثل في أنها تغرق تدريجيًا بمعدل يُعد من بين الأعلى عالميًا، ما يثير قلق العلماء وصناع القرار.

تشير التقارير، بناءً على بيانات الأقمار الاصطناعية لوكالة ناسا، إلى أن مكسيكو سيتي تهبط بمعدل يقارب 25 سنتيمترًا سنويًا، مما يجعلها واحدة من أسرع المدن غرقاً في العالم. هذا الهبوط البطيء والمستمر يهدد البنية التحتية الحيوية للمدينة وسلامة سكانها البالغ عددهم أكثر من 22 مليون نسمة.

تاريخ يوضح تحدي غرق مكسيكو سيتي

تعود جذور هذه المشكلة إلى تاريخ المدينة الذي بُنيت فيه فوق قاع بحيرة قديمة. هذا الموقع الفريد يفسر الطبيعة الهشة لتربتها، حيث كانت العديد من شوارعها الحالية في السابق قنوات مائية، كما ورد في تقرير لصحيفة «إندبندنت».

يتفاقم هذا التحدي بفعل عوامل متداخلة، أهمها الضخ المفرط للمياه الجوفية من طبقات المياه الجوفية، إلى جانب التوسع العمراني المتسارع. وقد أدى ذلك إلى استنزاف هذه الطبقات إلى مستويات خطيرة، مسببًا هبوطًا تدريجيًا ومستمرًا للمدينة على مدى أكثر من قرن.

معدلات الهبوط: قصة قرن من الانخفاض

كان معدل الهبوط في أواخر القرن التاسع عشر حوالي 5 سنتيمترات سنويًا، لكن هذا المعدل ارتفع بشكل كبير ليصل إلى نحو 45 سنتيمترًا بحلول عام 1950. وعلى المدى الطويل، شهدت بعض مناطق المدينة انخفاضًا هائلاً بلغ مئات الأقدام، وهو ما انعكس بوضوح على ميلان عدد من المباني التاريخية البارزة، مثل كاتدرائية متروبوليتان التي بدأ بناؤها عام 1573.

يوضح إنريكي كابرال، الباحث في مجال الجيوفيزياء في الجامعة الوطنية المستقلة في المكسيك، أن الوضع يمثل “مشكلة كبيرة للغاية” تتسبب في أضرار جسيمة للبنية التحتية الحيوية، بما في ذلك شبكات مترو الأنفاق والصرف الصحي والمياه، بالإضافة إلى المساكن والطرق.

التقنيات الحديثة تكشف عن أبعاد جديدة للأزمة

على الرغم من أن ظاهرة غرق مدينة مكسيكو معروفة منذ زمن بعيد، فإن رصد معدل الهبوط بدقة واستمرارية لم يكن ممكنًا إلا مؤخرًا. بفضل التطور التكنولوجي في مجال الاستشعار عن بُعد، تمكن الباحثون من الاعتماد على بيانات قمر اصطناعي متقدم تابع لوكالة ناسا يُعرف باسم NISAR.

هذا القمر الاصطناعي، الذي جمع بيانات دورية كل 12 يومًا بين أكتوبر 2025 ويناير 2026، أتاح للعلماء تتبع التغيرات في حركة سطح الأرض بدقة عالية ورصد ما يحدث تحتها بشكل شبه فوري. كشفت هذه القياسات أن بعض مناطق المدينة، بما في ذلك المطار المركزي ونصب “ملاك الاستقلال”، تشهد هبوطًا أرضيًا بمعدل يصل إلى نحو 2 سنتيمتر شهريًا. هذا المعدل يعادل حوالي 24.13 سنتيمتر سنويًا، ما يعني أن هذه المناطق قد انخفضت بأكثر من 11 مترًا خلال أقل من قرن.

في مناطق أخرى، وصل إجمالي التغير في الارتفاع إلى ما يقارب 38.7 مترًا خلال فترة أطول، وهو رقم يعكس حجم التحول الجيولوجي الذي تشهده المدينة. الأبعاد المتزايدة لهذه المشكلة تؤكد الحاجة الملحة إلى حلول مستدامة.

تداعيات أوسع نطاقًا وتحديات مستقبلية

لا تقتصر خطورة هذه الظاهرة على هبوط الأرض وحده. يحذر الخبراء من أن الانكماش المستمر في طبقات المياه الجوفية قد يؤدي أيضًا إلى نقص حاد في الموارد المائية، مما يفاقم التحديات البيئية ويضع مستقبل المدينة وسكانها أمام اختبار صعب.

مع استمرار بيانات الأقمار الاصطناعية في الكشف عن تفاصيل أدق حول هذه الأزمة، يتعين على صناع القرار المحليين والدوليين تكثيف جهودهم لإيجاد حلول مبتكرة تضمن استدامة مدينة مكسيكو. من المتوقع أن تواصل الدراسات المستقبلية مراقبة معدلات الهبوط وتأثيراتها المتراكمة، لتوجيه استراتيجيات التكيف والتخفيف في السنوات القادمة.