تتعرض جمهورية مالي، هذه الدولة الواقعة في غرب أفريقيا، لانعطافة خطيرة مع الهجمات الأخيرة التي شنتها جماعات مسلحة، مما يثير تساؤلات جدية حول مستقبل الوجود الروسي في مالي. فجر السبت الماضي، تسلل مئات من مقاتلي تنظيم «القاعدة» مستهدفين قاعدة كاتي العسكرية، الأهم استراتيجياً في مالي. هذه الهجمات، التي شملت سيارة مفخخة أودت بحياة وزير الدفاع ساديو كامارا وعائلته، تبعها سيطرة جماعة «نصرة الإسلام والمسلمين» على القاعدة لساعات قليلة لا تبعد سوى 15 كيلومتراً عن العاصمة باماكو.
بالتزامن مع هجوم العاصمة، تمكن المتمردون من استعادة مدن رئيسية في الشمال، أبرزها كيدال، غاو، وتمبكتو. هذه الأحداث المتسارعة تسلط الضوء على تدهور الأوضاع الأمنية في مالي، وتطرح علامات استفهام حول فعالية الدعم العسكري الروسي ودوره في حفظ الاستقرار بالمنطقة. أعلنت روسيا عن تفاوضها مع المتمردين للسماح بانسحاب قواتها بهدوء من كيدال، مما يثير الاستغراب.
الوجود الروسي في مالي: انهيار أم انتكاسة؟
تعتبر مالي، التي تعد من أفقر دول العالم، مسرحاً لتمرد مسلح مستمر منذ عام 2012 تقوده جماعات مرتبطة بـ«القاعدة» و«داعش»، إضافة إلى حركات انفصالية تناضل من أجل استقلال إقليم أزواد. في عام 2012، كادت الدولة أن تنهار لولا التدخل الفرنسي الذي أعاد السيطرة على الشمال.
بعد عقد من الزمان وإنفاق أكثر من 10 مليارات يورو من قبل الفرنسيين لمواجهة الإرهاب، شهدت مالي انقلاباً عسكرياً عام 2020. اتهم القادة الجدد فرنسا بالفشل وتوجهوا نحو التعاون مع روسيا، مستقدمين مقاتلي مجموعة «فاغنر» الروسية، التي حلت لاحقاً ليحل محلها “الفيلق الأفريقي” التابع لوزارة الدفاع الروسية.
صعود وهشاشة النموذج الروسي
التحالف المالي-الروسي حقق مكاسب أولية، حيث زادت قدرة الجيش المالي التسليحية وألحق خسائر كبيرة بالتنظيمات المسلحة. كان تشكيل سلاح جو ودعمه بمسيّرات تركية عاملاً حاسماً في استعادة كيدال عام 2023، معقل المتمردين الطوارق.
غير أن هذه المكاسب لم تدم طويلاً. بدأت الحركات المتمردة و«القاعدة» في التكيف مع الوضع الجديد، مستعيدين قوتهم وتوسعه في مناطق وسط وجنوب مالي. أواخر العام الماضي، حاصروا العاصمة باماكو، وشنوا هجوماً على مطار باماكو الدولي، مما يشير إلى قدرتهم على تهديد العاصمة.
يعتبر عبد الصمد مبارك، رئيس «مركز الأطلس للتنمية والبحوث الاستراتيجية»، أن ما حدث هو “تحصيل حاصل” و”النتيجة الطبيعية لتراكم طويل الأمد للعديد من الأزمات”، مشيراً إلى أن الوضع في مالي مقلق جداً. هذا الوضع يعكس انهياراً تدريجياً لدولة فقدت أدواتها ومؤسساتها.
تداعيات مقتل كامارا ومستقبل الوجود الروسي
منذ هجمات السبت، وتراجع المبادرة الميدانية للجيش المالي، تشير تقارير إلى “انهيار” النموذج الروسي في مالي. نشر «معهد روبرت لانسينغ» تقريراً تناول فشل مقاربة «الفيلق الأفريقي»، مؤكداً أن الوضع يعكس فشل بنية مكافحة الإرهاب الدولية وفشل القوات المدعومة من روسيا كبديل فعال.
كانت الشراكة بين باماكو وموسكو تقوم على اتفاق نفعي: مالي تحصل على الحماية والدعم، وروسيا على الموارد والنفوذ الجيوسياسي. إلا أن الديناميكيات الداخلية للصراع في مالي أكثر تعقيداً، حيث أن الخصوم ليسوا تمرداً واحداً بل خليطاً من الجماعات المسلحة المتكاملة، كما أفاد المعهد.
مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا، الرجل الثاني في المجلس العسكري ومهندس الشراكة مع روسيا، يعد “ضربة موجعة جداً” وفقاً لمحمد ولد الداه، الخبير في الشأن الأفريقي. قد يهدد غيابه تماسك المجلس العسكري ويزيد من الحاجة إلى الشريك الروسي، ليس فقط للدعم العسكري بل كضامن أمني، مما سيزيد من التبعية لروسيا.
إلا أن حسين لنصاري، الكاتب المتخصص في الشؤون الأمنية بالساحل الأفريقي، يرى أن اغتيال كامارا يخلخل استقرار المجلس العسكري ويهدد مستقبل العلاقة بين باماكو وموسكو، حيث كان كامارا المهندس الرئيسي لهذا التحالف.
تغير «القاعدة» وتحالفات جديدة
يرفض ولد الداه وصف ما حدث بـ”الانهيار” الكامل، مفضلاً وصف “انتكاسة كبرى”. فالهزائم المتتالية للفيلق الأفريقي والجيش المالي تشير إلى هشاشة النموذج العسكري، لكن المجلس ما زال يسيطر على العاصمة. يتوقع أن تعزز روسيا وجودها أو تغير تكتيكاتها لتجنب انهيار كامل يمس هيبتها في القارة.
الهجمات الأخيرة كشفت عن تحالف لافت بين «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» و«جبهة تحرير أزواد». يعتبر ولد الداه أن هذا التحالف ليس فكرياً بحتاً، بل هو “تعليق مؤقت للخلاف الآيديولوجي تحت ضغط الميدان”. فالعدو المشترك هو السلطات العسكرية في باماكو والفيلق الأفريقي، إضافة إلى سقوط “اتفاق الجزائر للسلام” الذي كان يمنع المتمردين من العودة للعمل المسلح.
يؤكد ولد الداه أن «القاعدة» في مالي تحولت من تنظيم عقائدي إلى “فاعل متمرد ذكي” يبني تحالفات محلية ويستثمر المظالم الاجتماعية. هذا التحالف التكتيكي قد يتحول إلى استراتيجي يتقاسمون فيه بعض المناطق.
سيناريوهات مستقبل مالي
تتمسك روسيا برفض طلب المتمردين سحب قواتها، مؤكدة أنها باقية لمحاربة التطرف والإرهاب. يرى ولد الداه أن مالي تمثل “نقطة ارتكاز نفوذها في غرب أفريقيا”. رغم ذلك، قد تراجع موسكو استراتيجيتها لتنتقل إلى نمط أكثر انتقائية يعتمد على الدعم الاستخباراتي والتدريب العملياتي النوعي.
وعلى الرغم من ذلك، يؤكد ولد الداه أن على روسيا استيعاب الدرس، فالقوة العسكرية وحدها لن تحسم المعركة. يتوقع ثلاثة سيناريوهات لمستقبل مالي: الأول هو “استمرار الرهان على الحل العسكري” مما يعني حرب استنزاف طويلة؛ والثاني “مقاربة مزدوجة أمنية وتنموية” تتطلب شجاعة سياسية وحكومة شرعية؛ والثالث “انكشاف الدولة واتساع رقعة المناطق الخارجة عن سلطتها” مما قد يؤدي إلى تفكك الدولة.
يضيف عبد الصمد مبارك سيناريو رابع هو “تصدع النظام” الداخلي وحدوث انقلاب يفتح آفاقاً جديدة، محذراً من انزلاق مالي نحو سيطرة الجماعات المسلحة. أما لنصاري فيرجح بقاء المجلس العسكري بدعم من روسيا، مع شن هجوم مضاد لاستعادة المناطق الشمالية، مشيراً إلى أن نجاح هذا الهجوم سيكون حاسماً لاستمرار المجلس وسيؤثر على نفوذ روسيا في الساحل.
































